مريم لؤي من المختبر إلى اللّوحة.. شغف بين معادلات الكيمياء وتدرّجات الألوان
بغداد - الزمان
في زاوية هادئة من يومياتها المزدحمة بين المحاضرات والتجارب المختبرية، تخلق الطالبة والرسامة مريم لؤي عادل عالماً موازياً، تمزج فيه بين دقة العلم وحرية الفن. وبينما تواصل دراستها في المرحلة الرابعة بقسم علوم الكيمياء، تحافظ على خيط شغفها الأول الذي بدأ منذ سنوات المراهقة، حين اكتشفت أن قلم الرصاص قادر على ترجمة ما يدور في داخلها إلى صور تنبض بالحياة.
تستعيد مريم بداياتها قائلة إن رحلتها مع الرسم انطلقت بعمر 14 عاماً، عندما رسمت الخيل للمرة الاولى دون أي تدريب مسبق، وهي تجربة بسيطة لكنها تركت أثراً كبيراً في نفسها. وتوضح أن إعجاب والدها برسوماتها كان لحظة فارقة، إذ شكّل الدافع الأول للاستمرار، قبل أن تتوقف لثلاث سنوات بسبب الانشغال بالدراسة. لكن هذا التوقف لم يكن نهاية الحكاية، بل استراحة مؤقتة عادت بعدها إلى الرسم بشغف أكبر، متجهة إلى استخدام الألوان الزيتية قبل دخولها الجامعة بفترة قصيرة. ورغم رغبتها المبكرة في الالتحاق بكلية الفنون، إلا أن الظروف دفعتها إلى اختيار دراسة الكيمياء، وهو ما لم يمنعها من مواصلة مسيرتها الفنية بالتوازي مع مسارها الأكاديمي. وتؤكد أن شغفها بالرسم ظل المحرك الأساسي لها، وأنها لم تتخلَّ عنه رغم اختلاف التخصص.
في البيئة الجامعية، وجدت مريم مساحة جديدة لتعزيز موهبتها، حيث تشير إلى أن مشاركاتها في المعارض الفنية داخل الجامعة لعبت دوراً مهماً في صقل تجربتها. فقد شاركت في ثلاثة معارض للفنون التشكيلية، ولاقت أعمالها اهتماماً من الأساتذة والطلبة، وهو ما منحها دفعة معنوية كبيرة وعزز ثقتها بنفسها.
تطور فني
غير أن الطريق لم يكن سهلاً، إذ تواجه مريم تحدياً دائماً يتمثل في التوفيق بين الدراسة والرسم. تقول إن تخصص الكيمياء يتطلب جهداً ووقتاً كبيرين، ما يضطرها أحياناً إلى التوقف عن الرسم لأشهر، الأمر الذي يؤثر على وتيرة تطورها الفني. ومع ذلك، تحرص على العودة كلما سنحت الفرصة، محافظة على استمرارية شغفها رغم الصعوبات.
ولا تقيّد مريم نفسها بموضوعات محددة في لوحاتها، إذ تميل إلى رسم كل ما يلهمها، غير أن البيئة التي نشأت فيها تركت بصمة واضحة على أعمالها. وتلفت إلى أن الخيل والريف العراقي يحضران بقوة في لوحاتها، باعتبارهما جزءاً من ذاكرتها وتفاصيل حياتها اليومية.
وعن مصادر إلهامها، تشير إلى إعجابها بالفنان الهولندي رامبرانت فان راين، مؤكدة ميلها العام إلى الفن الكلاسيكي، وسعيها التدريجي لتطوير أسلوبها الخاص، رغم إدراكها أن هذا المسار يحتاج إلى وقت وتجربة طويلة.
أما عن طموحاتها، فتؤكد مريم أنها تسعى إلى إتقان الرسم بشكل احترافي، وأن تتمكن من ترجمة أفكارها ومخيلتها إلى لوحات متكاملة، مع تطلعها مستقبلاً إلى تحويل هذا الشغف إلى مسار مهني مستدام يجمع بين الإبداع والاستقرار.
وبين معادلات الكيمياء وتدرجات الألوان، تواصل مريم لؤي عادل رسم طريقها الخاص، حيث لا يبدو التناقض بين العلم والفن عائقاً، بل مساحة غنية للتجربة والتعبير، تؤمن من خلالها بأن الشغف الحقيقي قادر على إيجاد مكانه مهما كانت الظروف.