بين الرقيب الاخلاقي وسيادة القانون
عباس وليد محسن
في مجتمعٍ تتداخل فيه العادات والتقاليد مع النصوص القانونية، يبرز سؤال جوهري يتعلق بكيفية موازنة العراقيين بين ما تمليه الرقابة الأخلاقية وما تحتمه القوانين قيد التنفيذ.
هذه العلاقة ليست صراعاً بقدر ما هي اختبار مستمر لوعي الفرد ومسؤوليته في التعامل مع القضايا العامة والخاصة على حدّ سواء.
لا شك أن القانون وُضع ليكون المرجعية العليا التي تنظم حياة الناس وتحفظ حقوقهم، غير أن تطبيقه لا يكتمل إلا بوجود ضمير أخلاقي حيّ يسانده. فالقانون، مهما كان دقيقاً، يظل نصاً جامداً إن لم يُفعَّل بروح العدالة والإنصاف. وهنا يأتي دور الأمانة الأخلاقية، ليس فقط في الالتزام بالقانون، بل في فهمه وتطبيقه بعيداً عن المصالح الضيقة أو التفسيرات المصلحية.
في السنوات الأخيرة، أصبح من الواضح أن هناك اتساعاً في ظاهرة “الافتاء” في القضايا القانونية من قبل غير المختصين، سواء في المجالس العامة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذا السلوك، رغم أنه قد ينطلق من نوايا حسنة أحياناً، إلا أنه يفتح الباب أمام فوضى في الفهم والتطبيق، وقد يؤدي إلى ضياع الحقوق بدل حمايتها. فالقانون ليس رأياً يُتداول، بل علمٌ له أصوله وقواعده، ولا يمكن التعامل معه بمنطق الانطباع أو التجربة الشخصية.
من هنا تبرز أهمية احترام مهنة المحاماة، بوصفها إحدى الركائز الأساسية لتحقيق العدالة. فالمحامي ليس مجرد ممثلٍ عن طرفٍ في نزاع، بل هو صاحب اختصاص يمتلك أدوات الفهم والتحليل القانوني، ويعمل ضمن إطار يضمن حقوق الجميع.
إن التقليل من هذا الدور أو تجاوزه عبر حلول غير قانونية، إنما يُضعف هيبة القانون ويخلق بيئة غير مستقرة يسودها الارتجال بدل النظام.
كما لا يمكن تجاهل دور الأعراف العشائرية في المجتمع العراقي، فهي تمثل امتداداً تاريخياً لهوية اجتماعية متجذرة، ولها حضورها وتأثيرها في حل بعض النزاعات. غير أن الاعتماد المفرط عليها، خصوصاً في القضايا التي تستوجب حسمًا قانونيًا واضحًا، قد يؤدي إلى تعارض مع مبدأ العدالة المتكافئة. فمع كامل الاحترام لهذه الأعراف، ينبغي أن تكون مساندة للقانون لا بديلاً عنه، وأن تُمارس ضمن حدود لا تمس حقوق الأفراد أو تتجاوز سلطة الدولة.
من هنا ،يأتي دور الأخلاق في تطبيق القانون من خلال الالتزام الصادق بروح العدالة. فالموظف الذي يطبّق القانون بعدالة، والقاضي الذي يحكم بنزاهة، والمحامي الذي يؤدي واجبه بأمانة، جميعهم يشكّلون منظومة متكاملة لا يمكن فصل أحد عناصرها عن الآخر. وعندما تتكامل هذه الأدوار، يصبح القانون أداة للبناء لا وسيلة للردع فقط إن أي حديث عن التنمية يبقى ناقصاً ما لم يُستند إلى بيئة يحكمها القانون وتُصان فيها القيم الأخلاقية. فليست المشكلة في غياب التشريعات، بل في ضعف الالتزام بها وتحويلها إلى ممارسة يومية. والمجتمع العراقي اليوم أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في ترسيخ هذا الوعي، بحيث يصبح احترام القانون جزءاً من السلوك العام، لا مجرد التزام مؤقت تفرضه الظروف
يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين ما نؤمن به أخلاقياً وما نلتزم به قانونياً، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فحين تتلاقى الأخلاق مع القانون، تتشكل بيئة عادلة تحمي الجميع، وتفتح الطريق نحو مجتمع أكثر استقراراً ونضجاً.