الدولة بين هيبة القانون وتحديات الواقع
نوري جاسم
ليست هيبة الدولة مفهومًا تجريديًا يُتداول في الخطاب السياسي فحسب، بل هي تجلٍ عملي لسيادة القانون، وعدالة المؤسسات، وثقة المواطن بمنظومة الحكم. فحين يكون القانون حاضرًا بقوة وعدل، تكون الدولة مهيبة بطبيعتها، لا بقوة البطش، بل بقوة الشرعية والانضباط. غير أن هذه الهيبة كثيرًا ما تتعرض للاهتزاز في ظل تحديات الواقع المعقد، حيث تتداخل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فتُضعف من حضور القانون، وتفتح المجال أمام الفوضى أو الانتقائية في تطبيقه. وإن الدولة التي تفقد توازنها بين فرض القانون ومراعاة الواقع، تجد نفسها أمام معادلة صعبة: فالتشدد الأعمى قد يؤدي إلى الاحتقان، بينما التساهل المفرط يُفضي إلى الانفلات. ومن هنا، فإن جوهر الإشكالية لا يكمن في وجود القانون، بل في كيفية تطبيقه، ومدى اتساقه مع العدالة، وقدرته على الاستجابة لتحولات المجتمع دون أن يفقد صلابته. وفي التجارب الناجحة، لم تكن هيبة الدولة ناتجة عن القمع، بل عن وضوح القواعد، واستقرار المؤسسات، واستقلال القضاء. فحين يشعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء، تنشأ حالة من الطمأنينة العامة، ويتحول الالتزام بالقانون من عبء مفروض إلى قناعة راسخة. أما حين يُستخدم القانون بشكل انتقائي، أو يُسخّر لخدمة فئة دون أخرى، فإن ذلك يُفقده روحه، ويُحول الدولة إلى كيان هش، مهما امتلكت من أدوات القوة. وإن من أبرز تحديات الواقع التي تواجه هيبة القانون في مجتمعاتنا، هي تغوّل المصالح الضيقة، وضعف الثقافة القانونية، وتراجع الثقة بين المواطن والدولة. فحين تغيب العدالة، يبحث الأفراد عن بدائل خارج إطار القانون، سواء عبر النفوذ أو العرف أو القوة، مما يؤدي إلى تعدد مراكز القرار، وانقسام السلطة الفعلية على الأرض.
كما أن الفساد الإداري والمالي يُعد من أخطر ما يهدد هيبة الدولة، لأنه لا يضرب القانون من الخارج، بل ينخره من الداخل. فالموظف الذي يلتف على القانون، أو المسؤول الذي يستغله، يُرسل رسالة سلبية مفادها أن القانون قابل للتجاوز، وأن القوة الحقيقية ليست في النصوص، بل في النفوذ. وهنا تبدأ الدولة بفقدان هيبتها تدريجيًا، حتى وإن بدت قوية في ظاهرها. وفي المقابل، فإن بناء هيبة الدولة لا يتحقق عبر الإجراءات الأمنية وحدها، بل يتطلب مشروعًا متكاملًا يبدأ بإصلاح الإنسان قبل المؤسسة، لأن القانون في نهاية المطاف يُطبق من قبل البشر. فإذا لم يكن هناك وعي قانوني وأخلاقي، فإن أي منظومة، مهما بلغت دقتها، ستبقى عرضة للانحراف. كما أن العدالة الاجتماعية تلعب دورًا محوريًا في ترسيخ هيبة القانون، إذ لا يمكن أن يُطلب من المواطن احترام القانون وهو يشعر بالظلم أو التهميش. فالعدالة ليست فقط في تطبيق النصوص، بل في تحقيق الإنصاف، وتكافؤ الفرص، وضمان الكرامة الإنسانية. وعندما تتحقق هذه المعايير، يصبح القانون مظلة للجميع، لا سيفًا مسلطًا على البعض. وإن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على مواءمة القانون مع الواقع دون التفريط بمبادئه، وهذا يتطلب مرونة تشريعية، وحكمة في التنفيذ، وإرادة سياسية صادقة. فالقانون يجب أن يكون حيًا، يتفاعل مع المتغيرات، ويُعالج الإشكالات المستجدة، دون أن يفقد ثوابته. وفي البعد الأعمق، فإن هيبة الدولة تنبع من هيبة القيم التي تقوم عليها، فإذا كانت هذه القيم قائمة على العدل، والشفافية، والمساءلة، فإنها تُنتج دولة قوية، حتى في أصعب الظروف. أما إذا كانت قائمة على المحاباة، والتغاضي، والازدواجية، فإنها تُنتج دولة هشة، مهما امتلكت من أدوات الردع. وهكذا، فإن استعادة هيبة الدولة لا تكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار للقانون، وتحصين المؤسسات، وبناء الثقة مع المواطن. إنها عملية طويلة، تتطلب صبرًا وإرادة، لكنها الطريق الوحيد نحو دولة مستقرة، عادلة، وقادرة على مواجهة تحديات الواقع بثبات واقتدار. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما