الكِتَاْبَةُ بَيْنَ عُزْلَتَيْنِ
كريم عبيد علوي *
تَنْتَعِشُ الكتاَبةُ وتَحْيَاْ فِي العزلة ِ، ولكن شتَّانَ مَاْ بينَ عُزلتينِ :عزلة المكان وعزلة أنساق التَّأليف السَّائدة ، إذْ تتيحُ عُزلةُ المكانِ للمؤلف وفرةً من الوقت والهدوء ومساحةً من التَّأمل فيعكف على إتمام مشاريعه ، فأبو تمَّام 231هـ لَمْ تسعفْهُ الظّروفُ الجويَّة القاسية بالعودة إلى بلاده بعد تساقط الثَّلج فمكثَ فيْ خرسان وألَّفَ اختياراتِهِ الشّعريَّة التي أسماها بـ (ديوان الحماسة) ، وتشاءُ الأقدارُ أنْ يقعَ الأزهريّ اللغويّ 370هـ أسيراً فيْ أيدي البدو فبعد عودته من الحج وفي الطَّريق أسرته القرامطةُ وفي أسْرِهِ انشغلَ بجمع المادة اللغويَّة ومشافهة الأَعراب مما مكَّنه من وضع معجمه (تهذيب اللغة) كما يُصرّحُ هو في مقدمته ، وربما تفعلُ الظّروفُ النَّفسيَّة فعلها فتدفعُ المؤلفَ نحو عزلة الآخرين فيستثمرُ عزلتَهُ بنتاجٍ فكريّ ما ، فجلالُ الدين الرّوميّ 672هـ بعد غياب ملهمه وشيخه شمس التَّبريزيّ بحادثٍ غامضٍ ومفاجئ بسبب ضيق المحيطين بوجود شمس بالقرب منه يمر باغترابٍ روحيّ فيعتزلُ المحيطين به فيبدعُ أهمَّ نتاجاته الرّوحيَّة وهو كتاب ( المثنوي) في اعتكافه وخلوته . وكثيرٌ من الأدباء والفلاسفة لم تكن الكتابةُ تمثل لهم دخلاً مادياً يسعفهم في العيش على الرّغم من غزارة نتاجهم الفكريّ والأدبيّ فاضطروا لامتهان أعمالٍ تضمنُ لهم العزلة وإتاحة الوقت ، فالجاحظ 255هـ كانَ يكتري دكاكين الورَّاقين للقراءة ويشتغل بنسخ الكُتب ويقوم بحراستها ليلاً ، والفيلسوف الفارابيّ 339هـ على الرغم من صلاته القوية بسيف الدولة الحمدانيّ وصلة الأخير له بالعطايا والمنح إلا أنَّ ذلك كان شيئاً محدوداً لا ينهضُ بتسديد حاجاته ، فكان يعمل ناطوراً للبساتين مما يتيحُ لَهُ التَّأملَ والعزلةَ والوقتَ. وابن خلدون ت 808هـ الذيْ كَانَ مُنْخَرِطَاً بالجو السّياسيّ فيْ عصره من خلال المشورة والقضاء وارتباطه بالأمراء فبعد اضطراب الأحداث ونشوب الفتن وبرمه وضيقه من الدَّسائس اعتزلَ في قلعة ابن سلامة في الجزائر بما يناهز الخمس سنوات وتوفرَ له من أسباب الهدوء فابتعد عن صخب الأحداث وعكفَ على تأليف كتابه في التَّاريخ (العبر) ووضع له مقدمتَهُ المهمةَ فِيْ علم الاجتماع (المقدمة) .
وأمَّا عزلة أَنساق التَّأليف السَّائدة فترتبط بالخلق والإبداع وتجاوز السَّائد وقد تلاقي تلك المحاولاتُ جفوةً من التَّلقي العام و تتمخض عن مواقف شخصيَّة ذاتيَّة سلبيَّة من الكاتب فيضيق القُرَّاءُ بألوان مختلفة من الكتابة تخالف السَّائد وتصدم مع التَّقليْد ، وإزاء هذا قد يحبطُ الكاتبُ فيرمي قلمَهُ ويطوي أوراقه أَسفاً وبذلك تُؤَدُ الأفكارُ وتنقطع الكتابة ، أو قد يواجه الكاتبُ التَّحدي مفترضاً قارئاً ضمنياً مثالياً فيواصل الكتابة ، ففي الفترة المظلة من التَّاريخ العربيّ الإسلاميّ وبانحطاطها الفكريّ وزهد النَّاس في علوم اللغة يعكفُ ابنُ منظورٍ الافريقيّ 711هـ الذي كان يستوطنُ القاهرةَ على تأليف معجمه (لسان العرب) بإصرارٍ وتحدٍّ عجيبٍ ، فهو يذكر فيْ مقدمته : (أنه قد شرع بتأليف هذا المعجم وحاله كنوح إذ يصنع الفُلكَ وقومُهُ منه يسخرون) . و (تشومسكي) اضطر إلى نشر فصولٍ من اطروحته في الدكتوراه تحت اسم (البنى النَّحويَّة) فِيْ هولندا عام 1957لأنَّ مواطنيه من النَّاشرين الأمريكان رفضوا نشر الكتاب ؛ لانَّ طروحاته تخالفُ السَّائدَ فِي التَّفكير اللسانيّ الأمريكيّ بل حتى مجلة ( وورد) الأمريكيَّة رَفَضَتْ أنْ تنشرَ لَهُ بَحْثاً عَنْ نظريته التَّوليديَّة ولكنه بعد حين تمكن من النَّشر داخل أمريكا ويحوز على الاعتراف بنظريته ليحقق للسانيات الأمريكيَّة فتوحاً معرفيَّة تضاهي الثَّورة اللسانيَّة الأوربيَّة في النَّظر البنيويّ في الكشوف العلميَّة . بينما أحجم من قبلُ (دي سوسير) عن نشر أفكارِهِ اللسانيَّة فبقيتْ ملاحظاتٍ تضمنتها دروسُهُ في اللسانيات وقد جمعها تلاميذُه ُبعد وفاته بثلاث سنوات وفاءً لفكر أستاذهم وخرجتْ إلى النّور عام 1916 لتحدث ثورةً في ميدان العلوم اللغويَّة وتشكّل ميلادَ اللسانيات. ونجيبُ محفوظ الذي ما فتئ يكتب طوال حياته ودون انقطاعٍ حتى في حادثة طعنه كتب بعدها ـ متحدياً إصابته ـ روايتَهُ ( أحلام فترة النَّقاهة ) ولم يعتزلْ الكتابة ، لكنه بعد ثورة يوليو 1952 في مصر انقطع نجيب محفوظ عن الكتابة لخمس سنواتٍ وكان قبلها قد كتبَ أهم أعماله الرّوائيَّة الخالدة (الثّلاثيَّة) ، فقد كانت التَّطورات و التَّحولات الاجتماعيَّة السَّريعة بعد التَّغيرات التي أطاحت بالنّظام الملكيّ المصريّ تملي عليه التَّفكير في رُؤيةٍ سرديَّةٍ تفسرُ تلك التحولاتِ إلى جنب أنَّ الأعمال الكبيرة والمتميزة مثل (الثلاثيَّة) تجعلُ الأديبَ يحجمُ ويفكر قبل الكتابة بعملٍ يضاهي عمله السَّابق ولا يقل عنه مستوى ولا يُجازفُ بعملٍ لا يحظى باهتمامٍ نقديّ ، وهذا ما تحقق له في سلسلةٍ من الروايات الفكريَّة الفلسفيَّة التي كتبها بعد تلك العزلة كرواية ( الطَّريق) و(الشَّحاذ) و(اللص والكلاب ) في منحاها الرَّمزيّ التي تشتبك مع أسئلة الوجود في هموم وقضايا الإنسان بنحو عامٍ وضمنها قضايا الإنسان المصريّ وتسلط الضوء على جدليَّة تلك التَّحولات ولكن بطريقةٍ تبتعدُ عَنْ أسلوب الواقعيَّة . وربما سوء التَّأويل في تلقي الأعمال الأدبيَّة يكون وراء إحجام الأديب في العناية بعملٍ من أعماله المهمة ويعزف عن متابعة طباعته في بلاده تحاشيا للغط المغرض ، فرواية ( أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ التي كانتْ تُنْشَرُ في حلقاتٍ يومية في جريدة الأهرام أُثِيْرَت حولها مجموعة من التَّأويلات والقراءات الرَّمزيَّة النَّقديَّة للدين البعيدة عن قصديَّة المؤلف فاضطر لطباعتها في بيروت ولم تُطبعْ في مصر إلا بعد نيله لجائزة نوبل ، وكان محفوظ لا يتحمسُ كثيراً للحديث عنها إذا ذُكِرَتْ أَمامه. وقد تفعل الصَّدمة النَّفسيَّة فعلها من نفس الكاتب أو المبدع فيحجم عن نشر ما كتب ويعزف عن طباعته وإخراجه للقُرَّاء بل إنَّ غيرَ واحدٍ من المبدعين أوقد النارَ فيْ كتبه و حرقَ أوراقه كأبي حيَّان التَّوحيديّ 414هـ بسبب إحباطه وشعوره بالاغتراب والخذلان ، وكان قبله أبو العلاء المعريّ 449هـ قد عمد إلى دفن كتبه وأوراقه لجرأة أفكاره التي تصدم مع التلقيات السَّائدة ولما واجهه من إتهامٍ بالكفر والزَّندقة ، والكثير من الأوراق غير المنشورة طواها النّسيانُ وأصبحتْ فيْ ذمة العدم المطلق بعد أنْ تَلَفَتْ وأُهْمِلَتْ بعدَ رحيلِ مبدعيها بسبب قلة ذات اليد التي لم تمكنهم من نشرها أو لعدم رغبتهم بنشرها لضيق المحيطين بهم وزهدهم في المعرفة فَطُويتْ صفحاتٌ متميزة ٌمن الإبداع لو قُدِّرَ لها أَنْ تظهرَ لغيَّرتْ مساراتٍ فكريةً وشكلتْ منعطفاتٍ مفصليَّة مهمة في تاريخ الأفكار . ويضطر الكثيرُ من المؤلفين الى الكتابة بغير لغتم الأم بسبب خوضهم في دائرة (اللامفكر فيه) الذي يشكّل محظوراً ثقافياً ويصدم بالتابوات الاجتماعيَّة فربما لا يوجد جهاز اصطلاحيّ يُمَكِّنُ المختصَ في حقل معرفيّ من الكتابة والتَّعبير عن أشياء متطورة في هذا الحقل العلميّ فيضطر إلى الكتابة بلغة ثانيةٍ غير لغته الأم بسبب وفرة المصطلحات في تلك اللغات . ولعلَّ أقسى أنواع العزلة وأكثرها إيلاماً هو أن يعتزلَ الكاتبُ لغتَهُ الأم فيكتبُ بلغةٍ ثانيةٍ ، ومن أمثلة ذلك أنَّ الكاتبة (حنا آرنت) الناطقة باللغة الألمانيَّة قررت أنْ تتعلم الإنكليزيَّة بعد الخامسة والثَّلاثين من عمرها فتفضلها على لغتها الألمانيَّة في الكتابة على الرغم من تضمن معجم اللغة الألمانيَّة على جهاز مفاهيمي اصطلاحيّ أكثر وفرة من اللغة الإنكليزيَّة سبب خيبة أمل الكاتبة من وسطها الثَّقافيّ الألمانيّ وخذلانها من رموز فكريَّة كانت تربطها معهم علاقات تجاوزت علاقة التَّلقي والتَّلمذة إلى علاقات إنسانيَّة وعاطفيَّة من بينهم أستاذها الفيلسوف (هايدغر) ولكنهم تخلو عنها جميعاً . فاللغة الأم ليست مجرد سيلة تواصل ووسيط مادي شكلي وأداة رمزية محايدة لنقل الأفكار بل هي من تشكّلُ شخصيَّةَ الانسانِ وتبلورُ رؤاه وفكرَهُ ومشاعرَهُ وطريقةَ تفكيرِهِ ، وأنْ تتخلى عنها الكاتبة ( حنا آرنت) فتكتب بالإنكليزيَّة لهو أمرٌ يشفُّ عن مستوى الخذلان الذي مُنيت به ويشفُّ عن ثورتها وبرمها بالمشهد الثَّقافيّ المحيط بها .
وقد تتيح العزلة للكاتب إبداع نصوص تأسيسيَّة مفارقة في الثَّقافة ، فطه حسين بعد نشره لكتاب( في الشّعر الجاهليّ) ومحاكمته وإبعاده عن الجامعة وفي سفره خارج مصر عكف على كتابة سيرته الذاتيَّة ( الأيَّام) التي هي أول سيرة أدبيَّة عربيَّة فكانتْ متنفساً نقديَّاً في تفكيك معوقات التَّنوير والتَّعليم الحديث في المؤسسات التعليميَّة الدينيَّة المحافظة في تزمتها وجهلها ونفعيتها الضيقة في أسلوب ساخر يتعقبُ التفاصيلَ التي تشف عن الصراع بين الشيوخ الذي يستغل الدينَ ويسيء إليه وإلى العلم في الوقت نفسه .
وثمة فرق بين العزلة والانعزال في الكتابة ، فالانعزالُ هو خيارٌ أسلوبيّ في اختيار الموضوع وفي تعيين المُخَاطَبِ وتضييق دائرة التَّلقيّ ، فالمفكرُ والأديب قد ينشغلُ بقضايا قد ترتبط بالتَّرف الفكريّ ويبتعد عن هموم مجتمعه وقضاياه ، أو قد يمارسُ الكاتبُ ـ مما يُؤسفُ له ـ شيئاً من الشَّعوذة العلميَّة في أسلوبه باعتماد الغموض في اللفظ وفي الأفكار ليموّه على المتلقي البسيط خواءَهُ الفكريّ وفراغه المعرفيّ وقصرَ باعِهِ ويخلقُ حسَّ الانبهار الذي يريدُ لفتَ النَّظر إلى نفسه لا إلى الأفكار التي يسطّرها قلمه طلباً للشّهرة أو تكسُّباً وطمعاً. ومن أمثلة هذا ما يُنسبُ إلى النَّحويّ الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة 215هـ حين شكا إليه الكثيرونَ غموضَ ما يكتبُ وصعوبةَ فهمِهِ فأجابَ إنه تعمَّد أنْ يصنعَ ذلك لئلا يكتفي المتعلمُ بما يقرأ من كتابه ولا يعوده إليه في تفسيره وشرحه ، فهو قد تكلَّف الغموضَ حتى ينتفع هو ويتكسَّب بعودة المتعلمين له في شرح ما غَمُضَ عليهم من عبارات عصيَّة على الفهم .
وغالباً ما يرتبطُ الانعزالُ بخيارٍ فكريّ حداثويّ منشؤه القطيعة المفاهيميَّة بين أفكار تقليديَّة موروثة وبالية وأفكار تتسم بالجدّة والنّخبويَّة لا يتهيأ لها جهاز مفاهيميّ اصطلاحيّ متداول ليتيح لها التَّعبير، فهناك فجوة مُعجميَّة اصطلاحيَّة فيضطر المؤلفُ لنحت واستعمال مصطلحاتٍ غيرِ معهودةٍ و تحتاجُ جهداً تأويلياً يصطدم بالسَّائد . وتتفاقمُ المشكلة الأخيرة إذا تجاهلَ المشهدُ النقديّ تلكَ النّتاجاتِ الإبداعيَّة وأغفلَ تسليطَ الضوء عليها وتقريبها للقارئ فيكرّس هو الآخر عزلتَها . وتبقى العزلةُ مهما كانتْ قاسيةً وتضمنتْ جفوةً في التَّلقي تبقى قدراً يحتضنه الكاتبُ بسموٍ وإصرار ، فصدمة التَّلقي وجفوتُهُ تلجئ الكاتبَ إلى أنْ يشرعَ نوافذَهُ على بَاحَة المُراجعة و إعادة النَّظرِ في الأسلوب وجدوى الأفكار ونقدها ، ولا يمكنُ للكتابة الفاعلة أنْ تحيا وتتطور وترتادُ آفاقاً جديدةً إلا من خلال مراجعةِ الأفكارِ ونقدها وتجاوز الأسلوب .
* باحث وتدريسي بجامعة بغداد .