عكاب سالم الطاهر.. سادن الذاكرة ومشاحيف الروح
محمد علي محيي الدين
وُلد الأديب والصحفي عكاب سالم الطاهر في مدينة سوق الشيوخ عام 1942، في بيئة ريفية مشبعة برائحة الطين والماء، حيث تتجاور الأهوار مع الحكايات، ويغدو الشعر جزءًا من هواء المكان. هناك، في تلك البقعة التي تُنبت القصيدة كما تُنبت القصب، تشكّل وعيه الأول، وتفتّحت موهبته على إيقاع الحياة البسيطة العميقة. وكان لوالده أثرٌ واضح في توجيه مسيرته، كما كان لتعلّمه المبكر القراءة والكتابة على يد أحد أئمة المساجد فضلٌ في سبقه أقرانه، وفي غرس شغفٍ مبكرٍ بالأدب والمعرفة.
منذ سنوات الدراسة الأولى، أخذ يخطّ كلماته الأولى، متكئًا على ميراثه الشعبي، مستلهمًا من بيئته التي ترى في الشعر غذاءً يوميًا لا ترفًا عابرًا. وهكذا، لم يكن الأدب عنده اختيارًا طارئًا، بل قدرًا نما معه، وتغذّى من تفاصيل حياته، حتى صار جزءًا من تكوينه النفسي والوجداني.
أكمل دراسته الأولية في مدينته، ثم شدّ الرحال إلى بغداد، حيث نال شهادة البكالوريوس في العلوم الهندسية من جامعة بغداد عام 1971. غير أن الهندسة، على ما فيها من صرامة، لم تستطع أن تُخفي انحيازه العميق للكلمة، فاختار أن يسلك درب الصحافة، حيث اللغة أكثر رحابة، والتعبير أكثر التصاقًا بالحياة.
رئاسة تحرير
تولّى مناصب إعلامية بارزة، منها إدارة جريدة «الثورة» ورئاسة تحرير مجلة «ألف باء»، وكان عضوًا في الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين ونقابة المهندسين. شارك في مؤتمرات وندوات أدبية وإعلامية عديدة، وكان يحمل رؤية فكرية واضحة، إذ كان يرى أن الحل القومي الاشتراكي الديمقراطي هو الأنسب لواقع الأمة العربية، وهي رؤية تعكس انشغاله الدائم بالهمّ العام، وسعيه إلى إيجاد مخارج فكرية لأزمات الواقع.
كتب عنه النقاد، ومنهم حسين أمين ومحمد الجزائري، وخلّف آثارًا أدبية متعددة، منها: «حقيبة سفر»، و»ذاكرة مسافر»، و»شواطئ الذاكرة»، و»الكاتب الاجتماعي»، و»أجراس الذاكرة»، و»على ضفاف الكتابة والحياة»، و»حوار الحضارات»، فضلًا عن مئات المقالات التي كتبها على مدى عقود.
بعد تخرّجه، استقر في بغداد، لكنه ظلّ مشدودًا إلى الناصرية وأهوارها ومشاحيفها، كأنما يحملها معه أينما حلّ. في الصحافة، برز بأسلوب خاص يمزج بين لغة الأديب ودقة الصحفي، فكانت مقالاته تحمل نكهة مختلفة، فيها نقدٌ ذكيّ يُقال تلميحًا لا تصريحًا، وفيها قدرة على المراوغة الفنية التي تُخفي الفكرة وتُظهرها في آن. لذلك، كان له قرّاء ينتظرون ما يكتب بشغف، لما يجدون فيه من جدة وعمق وخصوصية.
لم يكن حضوره مقتصرًا على الكتابة، بل كان حاضرًا في المجالس والمنتديات، مشاركًا في المهرجانات، فاعلًا في الحياة الثقافية، معروفًا بمواقفه، واضحًا في توجهه، لكنه في الوقت نفسه إنسانٌ يتجاوز الخلافات الفكرية والسياسية، ينظر إلى الآخرين بعينٍ إنسانية، لا تعرف التعصب. لذلك، احتفظ بعلاقات واسعة، حتى مع من يختلف معهم، وكان وفيًا لأصدقائه، متابعًا لأحوالهم، مبادرًا إلى مساعدتهم، لا سيما أولئك الذين تخلّت عنهم مؤسسات الدولة، غير آبهٍ بما قد يجرّه عليه ذلك من متاعب. ومن أبهى ما يكشف عن روحه المنفتحة، اختياره للأديب الكردي مسعود محمد ليكتب مقدمة كتابه «من حقيبة السفر». لم يكن الاختيار اعتباطيًا، بل تعبيرًا عن رغبة في كسر الأطر الضيقة، وتجاوز الحدود القومية والفكرية. وقد عبّر مسعود محمد في مقدمته عن احترامه لصدق الطاهر، رغم اختلافه معه، وهو ما يعكس أثر الشخصية الصادقة التي تفرض حضورها حتى على المختلفين.
كما استعاد بإعجاب أثر الصحفي عبد الجبار وهبي، مشيرًا إلى تأثيره المبكر في تكوينه الصحفي، حتى إنه استعار منه عنوان «كنت في البصرة» لكتاباته، في إشارة وفاءٍ نادرة، تُنصف من سبقوه، وتقرّ بفضلهم.
وفي كتابه «حوار الحضارات»، يقدّم رؤية عميقة مفادها أن الحوار قد يكون بديلًا للصراع، بل قد يحقق للأقوياء ما تعجز عنه الحروب، ما دام قائمًا على مبرراته الإنسانية والعقلانية. أما كتابه «على ضفاف الكتابة والحياة.. الاعتراف يأتي متأخرًا»، فقد عدّه حسين سرمك علامة صحية في مسار الكتابة الصحفية العراقية، لما ينطوي عليه من توثيق صادق لتجربة شخصية ومهنية حافلة.
في السابع عشر من آذار عام 2026، غاب عكاب سالم الطاهر، لكن حضوره لم يغب. فقد ترك أثرًا لا يُمحى في ذاكرة من عرفه أو قرأ له، ونعته الأوساط الثقافية بما يليق بمقامه، مشيدة بإسهاماته الأدبية والصحفية والهندسية. وبرحيله، خسر الأدب العراقي أحد أعمدته، ممن حملوا الكلمة مسؤولية، وجعلوا منها جسرًا بين الإنسان وأخيه الإنسان.
لقد كان عكاب سالم الطاهر ابن بيئته، لكنه لم يُؤسر بها؛ حملها معه بوصفها ذاكرة، لا قيدًا، وانفتح على العالم بوصفه أفقًا، لا تهديدًا. وبين الذاكرة والأفق، كتب حياته، وترك لنا نصًا طويلًا اسمه: الإنسان.