الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أخلاق القلوب تصنع إنسانية الإنسان 

بواسطة azzaman

أخلاق القلوب تصنع إنسانية الإنسان 

نوري جاسم

 

في زحام الحياة وتسارعها، تبقى القلوب هي أكثر ما يتأثر بالكلمات والمواقف، فهي مرآة الإنسان الحقيقية ومحل مشاعره وأحاسيسه. ومن هنا يظهر معنى عظيم في الأخلاق الإنسانية والإسلامية، هو المعنى الذي يدور بين طرفين متقابلين: جبر الخواطر وكسرها. فبين هذين الفعلين تتحدد قيمة الإنسان الأخلاقية، ويتجلى عمق إنسانيته. جبر الخاطر هو أن تمد يد الرحمة إلى قلبٍ تألم، وأن تُخفف عن إنسان حمل همًا أو حزنًا أو شعورًا بالضعف، ولو بكلمة طيبة أو موقف بسيط أو نظرة احترام صادقة. إنه فعل صغير في الظاهر، لكنه عظيم الأثر في النفوس، لأن القلب إذا شعر بالتقدير والرحمة عاد إليه الأمل والطمأنينة. أما كسر الخاطر فهو الجهة الأخرى من الصورة؛ كلمة قاسية، أو سخرية جارحة، أو إحراج لإنسان أمام الآخرين، أو تقليل من قيمة جهده ومشاعره، وهي أفعال قد تبدو عابرة لكنها تترك في النفس جروحًا عميقة لا تُرى بالعين. ولهذا جاء التوجيه القرآني حاسمًا في حفظ كرامة الإنسان ومشاعره، حين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، لأن الكلمة ليست مجرد صوت، بل أثر يترك بصمته في القلوب. وفي الهدي النبوي الشريف نجد تعظيمًا لهذا المعنى حين قال النبي ﷺ: “الكلمة الطيبة صدقة”، فالكلمة التي ترفع معنويات إنسان أو تواسي قلبه هي في ميزان القيم عمل خيري عظيم. إن جبر الخواطر يتجلى في مواقف الحياة اليومية: في احترام فقير دون إحراجه، أو تشجيع طالب بذل جهده، أو مواساة مريض بكلمة طيبة، أو شكر عامل بسيط على عمله، أو الإصغاء إلى إنسان مهموم يحتاج فقط إلى من يسمعه. هذه المواقف الصغيرة تصنع مجتمعًا رحيمًا، لأن الرحمة لا تُبنى بالخطب الكبيرة فقط، بل تبنى أيضًا بالتفاصيل الإنسانية الدقيقة. أما كسر الخواطر فينشأ غالبًا من قسوة غير مقصودة أو من غفلة عن أثر الكلمات، لكنه قد يهدم علاقات ويزرع الحزن في النفوس. ولذلك كان الحكماء يقولون إن القلوب أوعية رقيقة، وأن الكلمة قد تكون جسرًا للمحبة أو سببًا للقطيعة. وفي الرؤية الروحية التي تحدث عنها أهل التصوف، يُنظر إلى جبر الخواطر على أنه عبادة خفية، لأن القلب المكسور قريب من الله، ومن يجبره يشارك في نشر الرحمة بين الناس.

إن العالم اليوم، بما فيه من توتر وصراعات وضغوط، أحوج ما يكون إلى هذه الأخلاق الهادئة التي تعيد التوازن إلى العلاقات الإنسانية. فليس المطلوب من الإنسان أن يقوم بأعمال عظيمة دائمًا، بل أن يكون لطيف القلب، حسن الكلمة، رفيق التعامل. فكم من كلمة طيبة أعادت إنسانًا إلى الأمل، وكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلبه. وبين هذين الطريقين يبقى الخيار إنسانيًا وأخلاقيًا في كل موقف نعيشه. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في حياته ليس المال ولا المنصب، بل القلوب التي جبرها، والابتسامات التي أعادها إلى الوجوه، والآلام التي خففها عن الآخرين. فالقلب إذا جُبر ازدهرت الحياة، وإذا كُسر انطفأت فيها أشياء كثيرة، ولذلك تبقى الحكمة الخالدة: احرص أن تكون من الذين يجبرون الخواطر لا من الذين يكسرونها. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

 

 


مشاهدات 41
الكاتب نوري جاسم
أضيف 2026/03/16 - 11:05 PM
آخر تحديث 2026/03/17 - 12:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 48 الشهر 14008 الكلي 15006077
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير