فم مفتوح .. فم مغلق
إحذروا النميمة.. فهي راديو الشيطان
زيد الحلي
نحن على أعتاب نهاية الشهر الفضيل، ولم يبق أمامنا سوى أربعة أو خمسة أيام حتى يحل علينا عيد الفطر المبارك. ومع ما تبقى من أيام رمضان، وددتُ الحديث عن ظاهرة باتت شائعة في مجتمعنا، حاولتُ البحث عن أسبابها فلم أجد لها مسوغاً مقنعاً، وآمل أن يسعفنا علماء الاجتماع بتفسيرات تميط اللثام عنها.
هذه الظاهرة هي الغيبة والنميمة اللتان أصبحتا عنواناً في كثير من الاجتماعات والتجمعات، فذاك يقول: فلان فعل كذا وكذا، وآخر يهمس: سمعتُ عنك كلاماً لا يسر، وثالثة تتناقل أخبار فلانة… وهلم جراً من كلمات النميمة التي تعافها قيم السماء والإنسانية، فهي كالجروح التي تنزل إلى أعماق النفس فتنهشها بصمت، وهي سلاح العاجزين الذين يطعنون في الخفاء لأنهم لا يملكون شجاعة المواجهة. إن الغيبة والنميمة من أخطر أمراض اللسان، إذ تهلك الحسنات، وتزرع الضغائن، وتفرق بين الأحبة. وهي من كبائر الذنوب التي تفسد القلوب وتشتت الأصحاب وتحبط الأعمال. فالغيبة هي ذكر الإنسان بما يكره في غيابه، أما النميمة فهي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد بينهم.
وقد حذر الرسول الكريم من النميمة تحذيراً شديداً، إذ ورد أن النمام لا يدخل الجنة، كما شبه القرآن المغتاب بمن يأكل لحم أخيه ميتاً، في صورة بلاغية تهز الضمير الإنساني. والنمام هو ذلك الذي ينشر الشائعات المؤذية بين الناس، بينما الإنسان الأمين يسعى إلى إخمادها وإطفاء نارها قبل أن تمتد.
ومن يتخذ الغيبة والنميمة نهجا له، لا يسمع في الحقيقة إلا صوته، ولا يرى إلا رأيه، فيغدو أسيرا لذاته، ناسيا أن الحوار الحقيقي هو رحلة بحث عن الحقيقة، تقوم على آذان مصغية وقلوب صافية.
إن الغيبة والضغينة والنميمة من أسوأ الأخلاق وأقبح الخصال، فهي توجب غضب الله، وتضاعف السيئات، وتقطع أواصر المحبة، وتفسد المودة، وتهدم البيوت العامرة، وتنتهك أمانة المجالس، وتشيع سوء الظن بين الناس، حتى يصبح المجتمع ساحة للشكوك بدل أن يكون واحة للثقة.
وقد يسأل أحدنا: ما أفضل طريقة للتعامل مع عشاق النميمة؟
والجواب بسيط وواضح: أن نتوقف فورا عن الاستماع إليهم أو مجاراتهم. فمن علامات النمام الإفلاس في المنطق، وكثرة ترديد كلمات الطعن بالآخرين، وكأن لسان حاله يقول: لقد نفدت ذخيرتي من الكلام الطيب، فلم يبق في جعبتي سوى السهام!
فلنحفظ ألسنتنا، ولنصن مجالسنا من هذا الداء الخطير، ولنجعل كلماتنا جسور محبة لا معاول هدم. ولعل أجمل ما اختتم به هذه الكلمات ونحن نودع رمضان، أن نراجع ألسنتنا قبل أعمالنا، فالكلمة قد تكون جسرا للمحبة، وقد تكون خنجرا خفيا في ظهر الأخوة. وما أسهل أن ينطق اللسان بكلمة، وما أصعب أن تندمل جراحها في القلوب، فلنجعل من أيام العيد المقبلة بداية جديدة لقلوب أنقى ومجالس أصدق، نغلق فيها (راديو الشيطان) الذي يبث النميمة بين الناس، ونستبدله بأصوات المودة والصدق وحسن الظن. فالمجتمع لا يبنيه الثرثارون، بل يحفظه الصادقون الذين يصونون الكلمة كما يصونون الشرف.
كفانا الله شرّ النمّامين وحملة الضغينة.
Z_alhilly@yahoo.com