الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
النزعة الذكورية تفرض الوصاية على المرأة

بواسطة azzaman

همسات ساخنة .. ومضات هادئة

النزعة الذكورية تفرض الوصاية على المرأة

لويس إقليمس

 

بدءً، لا بدّ من الإقرار باختلاف الطباع والرؤى والآراء حول شكل وطبيعة ما شهدناه في فترات سابقة وقد نشهدُه أحيانًا على الفضائيات أو في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي أو الندوات العامة أو في اجتماعات مؤسسات رسمية من مناقشات وحوارات تتطرقُ إلى طبيعة التفاعل والتعامل بين الرجل والمرأة ورغبة كلّ منهما في تسيير شؤون البيت والمجتمع. فقد شهد مجتمعُنا العراقي في فترات سابقات حلقاتٍ متواصلة ومثيرة للجدل في مناقشاتٍ بعضها حادة في الردود وفي الرأي، يُسشفُّ منه سيادة الفكر الذكوري على منظومة البيت الشرقي.

سلطة تنفيذية

وكان قانون الأحوال الشخصية الذي طرحه الطرف المتحكم بالسلطة التنفيذية في العراق أحد هذه المسائل المثيرة للجدل لغاية الساعة سلبًا أو توافقًا، حيث أخذ ومايزال مساحةً واسعة من تباين الاراء وطرح الأفكار بين طرفٍ يريد فرض رؤيته الدينية وقوّامته الفقهية على ما سواه من مكوّنات المجتمع الأخرى الرافضة لشكل هذا الطرح الطائفي والمذهبي الجدليّ والضيّق المقيت الذي لم يعد يتوافق مع حياة العصر المتطورة. فالمجتمعات المتنوعة والمختلفة ثقافيًا ودينيًا لا بدّ أن تختلف هي الأخرى في نظرتها وتقييمها لكلّ ما يخصّ شؤون وشجون البيت والأسرة والرجل والمرأة في خضمّ الحياة الاجتماعية والمهنية على السواء.

من الطبيعي أيضًا أن نجد إشاراتٍ مشخّصَة في بعض المجتمعات، لاسيّما الشرقية منها، فيها تستسلم المرأة لتخضع للطرف الذي لم تسمح لها قدرتُها الأنثوية الضعيفة للوقوف بوجه الطعنات الذكورية غير المبرّرة في أحيانٍ كثيرة إلاّ نادرًا، سواءً في مواجهة مصيرٍ مثقلٍ بالهموم والمشاكل الشخصية أو الأسرية، أو في التصدّي لمواقف معينة خارجة عن الإرادة التي اضطرّتها للانهيار يومًا لأيّ سبب أو حدثٍ. وقد يكون ذلك من أجل مجاراة رغبات أو نوايا أو مشاعر داخلية وجسدية تدور في خلدها مادامت قد وجدت الفرصة السانحة لفرضِ ما تعتقد أحيانًا كونَهُ صائبًا ومؤاتيًا في إخضاع الرجل الضعيف غريزيًا بفضل تأثيرها الأنثوي في استخدام سحرها وجمالها وشيءٍ من أسرار أدواتها الجسدية التي أصبحت شائعة و»مباحة» لدى البعض من النساء في هذه الأيام في ترويض الرجل أو الرجال من حولها من منطلق الشهرة المكتسبة بطرقٍ ووسائل مفتعلة أو مفروضة أو مدسوسة.

اعادة ترتيب

فهذا النمط من النساء يسعين في كل مرة جاهدات لإعادة ترتيب أوراقهنّ الرابحة بوجه الرجل أو الرجال كلما تسنى لهنّ ذلك من أجل الفوز بمنفعة او امتياز أو فرصة لحياة أفضل وأجمل، كما يشيع هذه الأيام في مجتمعنا العراقي تحت خيمة «المشاهير». فقد أصبح لمثل هذه النماذج من النساء، وغالبيتُهن من التافهات والطافيات على سطح المجتمع الراكد ثقافيًا وأخلاقيًا وتربويًا، الأولوية لدى طبقة واسعة من ساسة البلاد الذين أتت بهم الصدفة لاعتلاء ناصية الحكم وفرض النفوذ باشكالٍ وطرقٍ وأدواتٍ مختلفة بعد حيازتهم على المال والجاه والنفوذ والسطوة بغير الوسائل السليمة والمحترمة. والأنكى من هذا كلّه دعوات مَن طاب لهم تسمية أنفسهم بأصحاب  «العلم والفقه» بجواز كلّ هذا وذاك بتسخير ما لديهم من مكتنزات «وعاظ السلاطين» .

من أجل ديمومة منافعهم وتكريس مكاسبهم على حساب النصف الإنثوي من المجتمع. ومن الطبيعي أن تتقاطع طموحات أيّ مجتمع مثقفّ صاحبِ حضارة وثقافة وإرث تاريخي يشهدُ له العالم المستنير مع ساسة اليوم وزعامات السلطة في كلّ شيء وأيّ شيء إلاّ من أطرافٍ دخيلة ضيقة الفكر استبعدت من قاموسها الحياتي أيةَ أشكالٍ للتكامل المجتمعي المتخادم إيجابيًا وأخلاقيًا ومجتمعيًا دون أية ضغوط أو فروض غير مقبولة وغير مبرّرة.

شتّانَ ما بين النموذجين من النساء

في اعتقادي، إنّ العديد من اللقاءات والحوارات المعروضة على شاشات القنوات الفضائية أو في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي ضمن هذه الأطر والمواضيع المثيرة، قد نجحت في إيصال فكرة القبول أو الرفض لما يُطرح في كلّ ما يخصُّ شؤون وشجون المرأة العراقية بفضل نساءٍ «محظوظات» ومسلّحات ثقافيًا وفقهيًا واجتماعيًا وعلميًا وسياسيًا وقانونيًا إلى حدٍّ كبير. بعكس غيرهن من الواقعات تحت تأثير أصحاب التفاسير الضيقة الذين يريدون فرض السالب مجتمعيًا بتغليب تأويلاتٍ فقهية متخلفة لا ترقى للحياة المعاصرة بل تريد إرجاع المجتمع لسنوات التخلف وما قبل الجاهلية وما كان جاريًا قبل أكثرمن أربعة عشر قرنٍ خلت لتعود المرأة سلعةً يحقُّ لوليّ أمرها أو صاحب الحق فيها بيعَها وتقديمها هديةً لصاحب الخزنة الأكبر والنفوذ الأوسع والمنصب الأرفع. وإنَّ أقلَّ ما يمكن قولُه في هذا النموذج من التعاطي السالب مجتمعيًا ودينيًا تسييج المرأة داخل قفص مشبوه المعاني والنوايا والأهداف وبما فيه من أثر سلبيّ في حصر دورها في الأمور الجنسية وفي التجاوب الفرضي مع طلّاب المتعة من فئاتٍ واسعة من رجال السياسة والحكم وأصحاب الجاه والنفوذ والمال لدى فئة من هذه النساء. فقد وجد هؤلاء في فتاوى وتفاسير واستشارات بعض «علماء الدين» مثيري الجدل ما يُطفئُ نار شهواتهم في النماذج الجديدة الطافية على السطح من نساء هذا الزمن اللواتي اعتدنَ كيفية البحث عن الإثراء السريع وتراكم الأموال وإغداق الهدايا عليهنّ بمناسبة وبغير مناسبة وامتلاك العقارات الفارهة بأي شكلٍ من الأشكال مقابل متعة الجسد والجمال والتباهي بالقيان الحسن. وهذا ممّا ساهمَ في انحلال الأخلاق وتراجع القيم المجتمعية والأسرية وفتح الأبواب مشرعةً لزيادة حالات الطلاق واستبدال النساء الجميلات الباحثات عن أشكال هذا الإثراء الفاحش غير المقبول وغير المشروع باستخدام الجسد الناعم وأوصافه لبلوغ الأهداف ب»تعب الجبين» كما يُشاع

مقابل كل هذا التراجع في القيم المجتمعية، نجد لدى نماذج نسائية أخرى واعية ومتحرّرة إيجابيًا ما يسرُّ العقل والفكر والرؤية الحكيمة الصائبة في رفض هذا السلوك الطارئ وغير السويّ في مجتمع له حضارتُه وثقافتُه وقيمُه وأعرافُه التي طالها الهذيان النوعيّ والأخلاقي بسبب بروز طبقات وجماعات وأطراف دخيلة عليه وعلى أخلاقه في استخدام الشأن المادي وهوس الحصول على المال بأي شكلٍ من الأشكال كوسيلة للعيش الكريم «المزيَّف» مجتمعيًا. وعلينا أن نقرَّ أيضَا أنّ من طبيعة المرأة المحصَّنة مجتمعيًا وأخلاقيًا، لاسيّما القوية في الشكيمة والمتمكنة في الإرادة والنية والمقصد وقوّة الحجّة والمنطق، أن تستجيب للوجع والألم وحتى الظلم أحيانًا أكثر من الرجل بقدر ما يستكين فيها من صبرٍ وجَلَد وتحمّلٍ ورويّة وبُعد نظر برغم المصاعب والمشاكل الأسرية الطارئة. لذا فإنّ مثل هذه المرأة التي يكويها الوجع ويعصرها الألم  في فترات معينة من حياتها قد تتألم، لكنها لا تيأس ولا تستسلم بقدر ما يعيد شكلُ هذا الألم ووقعُ هذا الوجع في إعادة صناعة مصيرها ومستقبل حياتها بشكل آخر قد يختلف عن سابق خبرتها وشكل حياتها البائس أو المتألم. بمعنى أدقّ، مثلُ هذه المرأة المحصَّنة القوية في الإرادة النابعة من الأخلاق الأسرية الأصيلة والحيل المجتمعية الثابتة لا يمكن أن  تنتمي إلى مدرسة الاستسلام للصعوبات ولا للآلام وأشكال الوجع والانتظار الفارغ اليائس في مواجهة المصاعب لوحدها، ما يبقيها متميزة في أدائها وعلاقاتها وأهدافها وخططها للخلاص من شكل المواقف البائسة مهما تنوعت وتخالفت مع غيرها ومع المجتمع الذي تقبع فيه. فمن النساء مَن يتخذن قرار الابتعاد عن الواقع المرير المتألم المتراجع لبعض الوقت بغاية كسب خبرة جديدة والتخطيط لحياة أفضل ومستقبل أحسن وأكثر وضوحًا، لهنّ ولمحبيهنَّ. ومن النساء ما يشهد لهنّ الواقع الأسري في الحفاظ على كرامتهنّ والتميّز بألق آرائهنّ وأفكارهنّ وتصوراتهنّ بشأن الواقع المتعب والمستقبل غير المنظور للمجتمع الذي يعشنَ فيه وفق رؤية واضحة المعالم والقرار، ما يفتقر إليه العديد من الرجال الذين يفقدون قوامتهم المتسامية الراقية على نسائهم لشرود أفكارهم وحصرها في شيءٍ اسمُه المتعة والجمال والجسد وشيءٍ من التملّك وواجب التزام البيت والمطبخ وتربية النسل حصرًا. وهذا ما يشير إلى أن مثل هذه المرأة لا يمكن أن تنكسر شكيمتُها أو تستسلم أبدًا مهما خانتها الظروف العسرة وتكالبت عليها الصعاب وعادتها عوادي الزمن وعاقبها المجتمع المريض أو استهجنَ جرأتَها أو تجاهلَ رأيَها أو استهزأَ برؤيتها المتزنة. فالأنثى الذكية الماهرة كالحية الماكرة لديها الكثير لتحارب من أجله وبسببه وتناضل لضمان إدامة عسل الحياة في جعبتها ونفث السموم المتراكمة لتقذفها وقت الحاجة باستخدام ما تختزنه في عقلها وذكائها حين استغلالهما بحكمة وفي الوقت المناسب لمواجهة الرجل المتجبّر أو المجتمع الذكوري الظالم مهما علا شأن قدرات هذا الأخير في ذلك المجتمع

تلكم هي المرأة القوية التي تتخذ من العقل والعلم والحكمة والثقافة والتربية الصالحة والنظرة الواقعية إلى الحياة رجاحةً في تقدير المواقف في يدٍ، ومن سحرها الأنثوي الباهر وتأثيرها البايولوجي الناعم في اليد الأخرى سلاحًا إيجابيًا لاختراق المستثمِر الذكوري فيها والمستغِلِّ لمؤهلاتها وقدراتها. ولا أعتقد أنه بوجود نمط مثل هذه المرأة بعد اليوم، ستحتاج النساء في مجتمعنا لاشتراطات وسائل التمكين وإملاءات أدوات الاستعطاف وحيل الماكرين من الرجال الباحثين عن استغلال جسدها وجمالها وعاطفتها لصالح نزواتهم وإبقاء قوامتهم الذكورية المتعالية عليها بالاستفادة من فتاوى أهل الشرع الذين يقضون بالعودة القسرية إلى عصور الظلام والتخلف ومطالبتها بملازمة المنزل والطاعة المطلقة. وما الذي شهدته بلادُنا مؤخرًا من صراع النزعة الذكورية بدعم فتاوى الشرع في مسألة التحايل وتغيير فقراتٍ في قانون الأحوال الشخصية لتتوافق مع رغبات أهل الشرع ووعاظ السلاطين والسائرين في ركابهم من الأتباع والمتخادمين مع أهل السياسة ورافعي راية التشريع سوى محاولاتٍ لتعرية المرأة عامة والزوجة خاصة من حقوقها الأساسية وحصرها في بوتقة الرجل والبيت الزوجي وحرمانها من حقوقٍ أخرى تيسّرُ لها الحياة وتحرّرُها من قيود الرجل والشرع بحجة موالاة الدين والمذهب وإطاعة أولي الأمر.

وستبقى المعركة شرسة بين الفقه الذكوري الذي يلجأ إليه المستثمرون لجمال المرأة وأنوثتها وجاذبيتها الجنسية وبين المدافعين عن حقوقها عبر المنابر والنقاشات والمؤتمرات مادامت بلدانُنا الشرق أوسطية والإسلامية خاصةً تعيش حالةً بل حالاتٍ من ازدواج الشخصية والنفاق والمراءات وتبحث عن أية فرصةٍ لاستغلال مواقع الضعف هنا وهناك لتكون شمّاعةً ضامنة للفكر الذكوري المتطرّف الباحث حصرًا عن متعة الجسد في المرأة، أية امرأة!

 

 


مشاهدات 56
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2026/03/14 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/03/15 - 1:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 44 الشهر 12276 الكلي 15004345
الوقت الآن
الأحد 2026/3/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير