رياح الحرب
ثامر محمود مراد
في مساءٍ كثيفٍ بالغيوم، كانت الريح تعبر السهول كرسولٍ متعبٍ يحمل أخبارًا ثقيلة. على قمة التلّ وقف حارسٌ يحدّق في الأفق، كأنّه ينتظر لحظةً تختبر صلابة الأرض وصبر السماء. لم يكن المشهد حربًا كما يراه الجنود، بل رقعة شطرنج واسعة تتحرك عليها الظلال قبل القطع.
في تلك الليلة، أضاء البرق فجأةً، فارتجفت الصحارى البعيدة، وكأنّها تذكّرت قصصًا قديمة عن عواصف لا تأتي من السحب بل من قرارات البشر. بعضهم رأى في البرق عدلًا نازلًا من السماء، وبعضهم رآه شرارةً قد تشعل حقولاً من القلق. أمّا الأرض نفسها فبقيت صامتة، تعرف أنّ العواصف مهما اشتدّت تعبر في النهاية وتترك وراءها أسئلةً أكثر مما تترك أجوبة.
في المدن البعيدة، جلس الناس حول نوافذ مضيئة يتابعون حركة الريح كما لو أنّها حكاية تُروى على مسرحٍ كبير. كلّ عينٍ ترى المشهد بلونٍ مختلف، فهناك من يصفّق للرعد، وهناك من يخشى أن يمتدّ صوته إلى بيوتٍ لا ذنب لها سوى أنّها قريبة من طريق العاصفة.
وهكذا ظلّ الليل يمضي ببطء، بين صوت الريح وهمس الأرض. أمّا الفجر فكان يتهيأ خلف الجبال، يحمل سؤالاً قديمًا:
هل تتعلّم البشرية يومًا أن العاصفة، مهما بدت انتصارًا في لحظتها، تترك دائمًا في القلب غبارًا لا تزيله الشمس بسهولة؟