الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عُمان وإيران والخليج.. دبلوماسية الجسر لا دبلوماسية الخندق

بواسطة azzaman

عُمان وإيران والخليج.. دبلوماسية الجسر لا دبلوماسية الخندق

محمد علي الحيدري

 

في منطقة اعتادت أن تُقسِّم دولها الأزمات إلى معسكرات متقابلة، اختارت سلطنة عُمان منذ عقود أن تسلك طريقاً مختلفاً. لم تكن جزءاً من محور ضد إيران، كما لم تتحول إلى حليف تابع لها. وبدلاً من سياسة الاصطفاف، تبنّت سياسة التوازن، حتى أصبحت مسقط في نظر كثير من المراقبين “الجسر” الذي يربط بين الخصوم عندما تنهار الجسور الأخرى.

 

العلاقات الإيرانية الخليجية مرت خلال العقود الأربعة الماضية بمحطات شديدة التوتر؛ من الحرب العراقية الإيرانية، إلى أزمة الجزر الإماراتية، مروراً بالملف النووي الإيراني، والحروب في العراق وسوريا واليمن، وصولاً إلى المواجهات المتكررة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وخلال معظم هذه الأزمات كانت دول الخليج تنظر إلى طهران بوصفها مصدراً للتهديد أو المنافسة الاستراتيجية، بينما كانت عُمان تتعامل معها باعتبارها جاراً دائماً لا يمكن إلغاؤه من الجغرافيا.

 

هذا لا يعني أن مسقط تبنت المواقف الإيرانية أو وافقت عليها دائماً، لكنها أدركت مبكراً أن أمن الخليج لا يمكن أن يقوم على عزل إيران أو تجاهلها، بل على إيجاد قنوات اتصال معها. لذلك حافظت على علاقات سياسية مستقرة مع طهران حتى في أصعب الظروف، ورفضت الانخراط في حملات التصعيد الإعلامي أو السياسي التي شهدتها المنطقة في مراحل مختلفة.

 

وقد ظهر هذا التوجه بوضوح خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. ففي الوقت الذي انحازت فيه غالبية الدول الخليجية سياسياً ومالياً إلى العراق، حافظت عُمان على مستوى من العلاقات مع إيران، وحرصت على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة معها. كما تجلى الموقف العُماني بصورة أوضح خلال أزمة البرنامج النووي الإيراني، حين تحولت مسقط إلى قناة تواصل هادئة بين واشنطن وطهران، وأسهمت في تهيئة الظروف التي قادت لاحقاً إلى الاتفاق النووي عام 2015.

 

وتميّزت عُمان عن بقية دول الخليج أيضاً بأنها فضّلت الدبلوماسية الهادئة على الاستعراض السياسي. فعندما تعثرت الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران، كانت مسقط غالباً هي العنوان الذي يقصده الطرفان لنقل الرسائل واستكشاف فرص التهدئة. وهذه القدرة لم تأتِ من فراغ، بل من رصيد طويل من الثقة المتبادلة بنته السلطنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.

 

كما أن السياسة الخارجية العُمانية قامت تاريخياً على مبدأ عدم تحويل الخلافات السياسية إلى قطيعة دائمة. ولهذا استطاعت أن تحافظ على علاقات جيدة مع دول الخليج وإيران والولايات المتحدة في آن واحد، وهي معادلة لم يكن من السهل تحقيقها في منطقة تتسم بالاستقطاب الحاد.

 

ويعود جزء من خصوصية الموقف العُماني إلى الجغرافيا نفسها. فسلطنة عُمان ليست مجرد دولة خليجية أخرى، بل هي شريك مباشر لإيران في الإشراف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز. فالمضيق يفصل بين السواحل الإيرانية شمالاً وشبه جزيرة مسندم العُمانية جنوباً، ما يجعل أمنه واستقراره قضية استراتيجية للطرفين.

 

ومن هنا تنظر مسقط إلى أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران باعتبارها تهديداً مباشراً لمصالحها الوطنية. فاقتصاد السلطنة، كما اقتصاد المنطقة والعالم، يعتمد على استمرار تدفق التجارة والطاقة عبر هذا الممر الحيوي. لذلك ظلت الأولوية العُمانية تتمثل في منع التصعيد والحفاظ على حرية الملاحة وتجنب أي صدام قد يهدد استقرار المضيق.

 

لكن هل يعني ذلك أن عُمان تقف دائماً إلى جانب إيران؟

 

الإجابة أكثر تعقيداً من ذلك. فعُمان ترتبط أيضاً بعلاقات استراتيجية وعسكرية متينة مع الولايات المتحدة منذ عقود، وتدرك أهمية الشراكة الأمنية مع واشنطن بالنسبة لأمن الخليج. ولذلك فهي لا تتحرك خارج المنظومة الخليجية أو الدولية، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بهامش استقلالي يسمح لها بلعب دور الوسيط.

 

وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، تبدو السلطنة حريصة على عدم الدخول في أي ترتيبات يمكن أن تُفسَّر على أنها انحياز إلى طرف ضد آخر. وإذا تعرضت لضغوط أميركية تتعلق بحرية الملاحة أو أمن الممرات البحرية، فمن المرجح أن تتجاوب معها ضمن حدود حماية مصالحها الوطنية والتزاماتها الدولية. لكنها في المقابل ستحاول تجنب أي خطوة تؤدي إلى قطيعة مع إيران أو إلى خسارة دورها كوسيط موثوق.

 

لقد نجحت عُمان طوال العقود الماضية في بناء سياسة خارجية مختلفة عن كثير من جيرانها. فهي لم تعتمد على القوة العسكرية أو الثروة المالية وحدهما، بل استثمرت في بناء سمعة دبلوماسية قائمة على الاعتدال والهدوء والقدرة على التواصل مع الجميع. ولهذا أصبحت مسقط مقصداً للحوارات الصعبة ومكاناً مفضلاً للوساطات السرية والعلنية على حد سواء.

 

واليوم، في ظل التوترات المتزايدة في الخليج والحديث المتكرر عن أمن مضيق هرمز ومستقبل العلاقات الأميركية الإيرانية، تبدو عُمان أمام اختبار جديد لدورها التقليدي. غير أن التجربة تشير إلى أن السلطنة ستواصل ما أتقنته لعقود: الوقوف في منطقة وسطى بين الخصوم، لا بحثاً عن الحياد السلبي، بل سعياً إلى حماية مصالحها الوطنية ومنع الأزمات من التحول إلى حروب.

 

لقد أثبتت مسقط أن النفوذ لا يُقاس دائماً بحجم الجيوش أو الثروات، بل قد يُقاس أحياناً بقدرة دولة صغيرة على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة عندما تُغلق جميع الأبواب الأخرى. وفي عالم يزداد استقطاباً، ربما تكون قيمة عُمان الحقيقية أنها ما زالت تؤمن بأن الحوار ليس علامة ضعف، بل أحد أشكال القوة السياسية الأكثر فاعلية واستدامة. وبينما تتبدل التحالفات وتتصاعد الأزمات، يبدو أن مسقط تراهن على ما راهنت عليه دائماً: أن الجغرافيا لا تتغير، وأن الجيران باقون، وأن الدبلوماسية الهادئة قد تحقق أحياناً ما تعجز عنه حاملات الطائرات والخطابات النارية.


مشاهدات 51
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/06/01 - 3:48 PM
آخر تحديث 2026/06/02 - 12:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 82 الشهر 1078 الكلي 15876559
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير