الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قوة ناعمة أم حرب ثقافية؟


قوة ناعمة أم حرب ثقافية؟

عصام البرّام

 

في عالمٍ تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة، لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الدبابات ولا بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدول على التأثير في العقول والوجدان وصياغة السرديات الكبرى. منذ أن صاغ الباحث الأمريكي جوزيف ناي مفهوم القوة الناعمة، أصبح النقاش أكثر عمقًا حول طبيعة التأثير غير المباشر الذي تمارسه الدول عبر الثقافة والتعليم والإعلام والقيم. غير أن هذا المفهوم لم يبقَ حبيس التنظير الأكاديمي، بل تحوّل إلى ساحة سجال حاد بين من يراه أداة تواصل حضاري مشروع، ومن يعتبره غطاءً لحرب ثقافية تستهدف الهوية وتعيد تشكيل الوعي الجمعي.

القوة الناعمة في تعريفها الكلاسيكي هي القدرة على الجذب بدل الإكراه، وعلى الإقناع بدل الفرض. وهي تستند إلى عناصر مثل الفنون واللغة والجامعات والصناعات الإبداعية والدبلوماسية العامة. حين تنتشر أفلام هوليوود في العالم، أو تتوسع شعبية الموسيقى الكورية عبر فرق مثل BTS، فإننا أمام تأثير ثقافي يتجاوز الحدود السياسية ويخلق نوعًا من الألفة الرمزية مع بلد المنشأ. وكذلك فعلت فرنسا تاريخيًا عبر مؤسسات مثل التحالف الفرنسي، وبريطانيا عبر المجلس الثقافي البريطاني، حيث تحوّلت اللغة إلى جسر نفوذ طويل الأمد.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو؛ هل يبقى هذا التأثير بريئًا ومحايدًا؟ أم أنه يتحول، في سياقات التنافس الدولي الحاد، إلى أداة لإعادة صياغة أنماط التفكير والقيم بما يخدم مصالح سياسية واستراتيجية؟ هنا يبدأ الخط الفاصل بين القوة الناعمة والحرب الثقافية في التلاشي. فحين تُستخدم المنصات الإعلامية العابرة للحدود لترويج سردية واحدة حول قضايا النزاع، أو حين تُربط المساعدات الثقافية بشروط أيديولوجية ضمنية، يصبح الحديث عن الجذب الطوعي موضع شك.

الحرب الثقافية لا تُعلن ببيانات عسكرية، بل تتسلل عبر المناهج الدراسية، والإنتاج الفني، والخطاب الإعلامي. إنها صراع على تعريف “الطبيعي” و”المقبول” و”الحديث”. في زمن العولمة الرقمية، تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا الصراع، إذ تتحكم خوارزمياتها في ما نراه ونسمعه. ومع أن هذه الشركات تقدم نفسها كمنصات محايدة، فإن تأثيرها في تشكيل الرأي العام بات أقرب إلى سلطة غير مرئية تعيد ترتيب الأولويات والقيم.

لقد أدركت قوى صاعدة مثل الصين أهمية هذا البعد، فاستثمرت في نشر لغتها وثقافتها عبر معاهد كونفوشيوس، ووسّعت حضورها الإعلامي الدولي. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة الاعتماد على جامعاتها الكبرى وصناعاتها الثقافية العملاقة لتعزيز صورتها كحاضنة للحرية والابتكار. وبين هذين النموذجين تتعدد الاستراتيجيات، لكن الهدف المشترك هو كسب المعركة على العقول قبل أن تتحول إلى صراع على الأرض.

غير أن المجتمعات ليست ساحات فارغة. فالتفاعل مع التأثير الخارجي لا يعني الذوبان فيه. ثمة قدرة كامنة لدى الشعوب على الانتقاء وإعادة التأويل والمزج الخلاق بين المحلي والعالمي. التجربة اليابانية، على سبيل المثال، تُظهر كيف يمكن استيعاب الحداثة الغربية دون التفريط بالجذور الثقافية. وكذلك فعلت دول عربية حين أعادت إنتاج الفنون الحديثة بروح محلية تعبّر عن همومها وتطلعاتها.

الإشكالية الحقيقية تظهر حين يتحول القلق المشروع على الهوية إلى انغلاق مرضي، أو حين يُستخدم شعار “الحرب الثقافية” لتبرير قمع الإبداع وتضييق حرية التعبير. فليس كل تأثير خارجي مؤامرة، كما أن ليس كل انفتاح فضيلة مطلقة. التوازن الدقيق يكمن في امتلاك مشروع ثقافي وطني قادر على المنافسة، لا الاكتفاء بردود الفعل الدفاعية. فالقوة الناعمة ليست حكرًا على الدول الكبرى؛ يمكن لأي مجتمع يمتلك سرديته الخاصة ويستثمر في التعليم والفنون والبحث العلمي أن يصنع جاذبيته الخاصة.

في العالم العربي، يتجدد هذا النقاش مع كل موجة إعلامية عابرة أو عمل فني مثير للجدل. هل نحن أمام غزو ثقافي يهدد المنظومة القيمية؟ أم أمام فرصة لإعادة تعريف الذات في حوار مفتوح مع العالم؟ الإجابة ليست أحادية. فالعالم اليوم مترابط على نحو غير مسبوق، والقطيعة التامة لم تعد ممكنة، كما أن الاستسلام الكامل غير مبرر. المطلوب رؤية نقدية تميز بين التفاعل الخلاق والاستلاب، وبين التعددية والانمحاء.

إن أخطر ما في الحرب الثقافية، إن وجدت، أنها لا تُخاض بالسلاح بل بالرموز. والرموز حين تستقر في الوعي يصعب اقتلاعها. لذلك يصبح الاستثمار في الوعي النقدي، وفي إعلام مهني مستقل، وفي تعليم يرسخ مهارات التفكير لا الحفظ، خط الدفاع الأول. فالمجتمع الواثق من نفسه لا يخشى الحوار، بل يحسن إدارته.

ربما يكون الأدق القول إن القوة الناعمة والحرب الثقافية وجهان لعملة واحدة، يختلف توصيفها بحسب زاوية النظر والسياق السياسي. حين يكون التبادل متكافئًا ومبنيًا على الاحترام المتبادل، تتحول الثقافة إلى جسر إنساني يثري الجميع. أما حين يختل ميزان القوة وتُستخدم الثقافة أداة للهيمنة الرمزية، فإنها تفقد براءتها وتدخل منطقة الصراع.

في النهاية، ليست المسألة اختيارًا ثنائيًا بين الانفتاح والانغلاق، بل هي سؤال عن كيفية إدارة الانفتاح بوعي وثقة. فالعالم لن يتوقف عن إنتاج الأفكار والصور والرموز، والتحدي الحقيقي هو أن نكون شركاء في هذا الإنتاج لا مجرد مستهلكين له. عندها فقط تتحول القوة الناعمة من تهديد محتمل إلى فرصة، ويتراجع شبح الحرب الثقافية أمام أفق تفاعل إنساني أكثر توازنًا وعدلاً.

وإذا كان النقاش حول القوة الناعمة والحرب الثقافية قد ارتبط تقليديًا بالدول، فإن الفاعلين اليوم لم يعودوا حكومات فقط، بل شركات عابرة للقارات، ومنصات بث رقمي، ومؤثرون أفراد يمتلكون ملايين المتابعين. إن مسلسلًا ناجحًا على منصة عالمية قد يحقق من التأثير ما لا تحققه حملات دبلوماسية كاملة، إذ يعيد تشكيل صورة مجتمع بأكمله في المخيال العالمي. هكذا تصبح الصورة الذهنية رأس مال سياسيًا، وتتحول الثقافة إلى صناعة استراتيجية تدر عوائد مادية ورمزية في آن واحد.

كما أن صعود وسائل التواصل الاجتماعي نقل الصراع من مستوى النخب إلى الفضاء الشعبي المباشر. لم يعد المتلقي سلبيًا، بل يشارك في إنتاج المحتوى وإعادة توزيعه، ما يمنح الأفراد قدرة غير مسبوقة على التأثير، لكنه يفتح الباب أيضًا أمام الاستقطاب الحاد وانتشار السرديات المتطرفة. في هذا السياق، قد تتحول الحملات الرقمية إلى أدوات ضغط نفسي ومعنوي، تستخدم الرموز والشعارات لتعبئة الرأي العام داخليًا وخارجيًا، في تداخل معقد بين التعبير الحر والتوجيه المقصود.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي للقوة الناعمة. فالصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت رافدًا مهمًا للناتج المحلي في دول عديدة، ما يعني أن الاستثمار في السينما والكتاب والموسيقى لم يعد ترفًا، بل خيارًا استراتيجيًا. وعندما تنجح دولة في تصدير نمط حياتها ومنتجاتها الثقافية، فإنها تخلق طلبًا على لغتها وسياحتها وبضائعها، فتتشابك المصالح بطريقة تجعل التأثير الثقافي جزءًا من منظومة نفوذ أوسع.

من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى بناء سياسات ثقافية واعية، لا تقوم على الخوف ولا على الذوبان، بل على الثقة بالذات والقدرة على المنافسة. فالمجتمع الذي ينتج معرفة وفنًا ويشجع حرية البحث والتجريب، يملك حصانة طبيعية ضد أي محاولة اختراق رمزي. وعندئذ يصبح التفاعل مع العالم عملية أخذٍ وعطاء، لا معركة صفرية، ويغدو السؤال عن القوة الناعمة أو الحرب الثقافية مدخلًا لتجديد المشروع الحضاري، لا سببًا للانقسام أو الارتياب الدائم.


مشاهدات 49
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/03/14 - 1:10 AM
آخر تحديث 2026/03/14 - 2:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 11471 الكلي 15003540
الوقت الآن
السبت 2026/3/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير