الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
علي .. حين يصبح الدم بياناً للعدالة

بواسطة azzaman

علي .. حين يصبح الدم بياناً للعدالة

محمد حمزة الجبوري

 

ليست كل الدماء التي تسيل في التاريخ تتحول إلى معنى؛ بعضها يضيع في زوايا النسيان  وبعضها يتحول إلى رقم في كتب الوقائع  لكن الدم الذي أريق فجرا من بطل السيف وفتى التأريخ الامام علي بن أبي طالب عليه السلام لم يكن حادثة عابرة في ليل السياسة، بل كان بياناً مدوياً للعدالة حين تضيق بها الأرض وتختنق بها القيم  قتل علي، لكن العدالة التي حملها لم تقتل؛ ضرب علي لكن وهج الرسالة لم يتلاش ، الرجال العاديون حين يواجهون الظلم يساومون أو يصمتون ، بمعنى لم ولن يستطيعوا كتابة التأريخ؛ أما علي فكان يرى العدل عقيدة لا خيارا سياسيا لذلك لم يدخل الحكم بصفقة ، ولم يغادره بصفقة أيضا؛ دخل إليه مثقلاً بميراث الفقراء، وخرج منه مثقلاً بوجع الحقيقة ومذ رحل ظلت هذه الحقيقة محتجزة في زنزانة التأريخ؛ في زمنه كان يمكن للخليفة أن يشتري الصمت بالمال، وأن يطفئ غضب الناس بالعطاء، لكن علياً اختار الطريق الأصعب؛  أن يقف في وجه الانحراف حتى لو كان الثمن رأسه؛ لم يكن يرى السلطة تاجاً بل مسؤولية، ولم ير الحكم امتيازاً بل امتحاناً أخلاقياً؛ لذلك لم يكن استشهاده مجرد اغتيال سياسي كما يروج لذلك الغرماء التأريخيين؛ كان لحظة اصطدام بين مشروعين:مشروع يرى الحكم غنيمة، ومشروع يراه أمانة؛ وشتان بين المشروعين؛ في محراب الكوفة لم يسقط رجل فقط، بل سقطت معه لحظة نادرة من نقاء السلطة؛  ومنذ ذلك الفجر الدامي صار دم علي سؤالاً مفتوحاً في ضمير التاريخ؛ لماذا يخسر العادلون معارك السياسة بينما ينتصر الماكرون فيها؟!  لكن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن علياً لم يخسر؛

الخاسر الحقيقي هو الزمن الذي لم يحتمل عدالته؛ ولم يصمد حيال بأسه الفكري وعبقريته الناصعة في التأسيس لأضخم دولة عادلة على سطح الارض؛ فرجل الضوء الذي كان يطفئ السراج إذا دخل في شأنه الخاص، والذي كان يقسم بيت المال بالسوية، والذي كان يقول «إن قيمة الإنسان بما يحمله من حق لا بما يملكه من سلطان»  لا يمكن أن يكون مجرد فصل من الماضي؛ ومشهدا زمكانيا مارا؛ علي باختصار لم يترك خطبة فقط، بل ترك معياراً؛ معياراً يقيس به الناس الحكام عبر القرون ولهذا بقي اسمه أكبر من سيف قاتله، وأوسع من زمنه، وأصدق من كل الشعارات التي رفعتها السياسة بعده؛ فحين يسقط العدل في مكان ما، يعود علي إلى الذاكرة؛ لا كقصة استشهاد، بل كفكرة تقاوم الفناء؛ ارى من المناسب ايراد قولا خالدا بحق على للمفكر الإسلامي الشهير علي شريعتي (علي ليس تاريخاً نقرأه، بل ضميراً يجب أن نستيقظ به)؛  و يرى المفكرون ان ما يميز علي هو بقاء العدالة معه رغم مرارتها على الآخرين ما ادى الى ضياع السلطة فعلي لم يكن امير بلاط بل اميرا للوجع واكسيرا لحياة المقهورين علآ طول التاريخ؛ لقد سال الدم في ذلك الفجر لكنه لم يكن نهاية الحكاية كان بداية البيان؛ بيان يقول إن العدالة قد تغتال لكنها لا تموت؛ وان الرجال قد يسقطون، لكن المبادئ التي يموتون من أجلها تبقى واقفة  مثل علي عصية على المحو المفارقة الاعظم ان علي لم يطلب من الناس ان يكونوا صالحين بل قدم لهم انموذج الإصلاح وتجلى عدلا متحركا يبصره المبصر والبصير شاهدا حيا على فترة عصيبة من تأريخ الأديان وتبلور القيم وتكامل الأنسان بعد فصول من النضال الانساني وسط حقب اتسمت بالدم والقهر والتضليل


مشاهدات 43
الكاتب محمد حمزة الجبوري
أضيف 2026/03/10 - 2:56 PM
آخر تحديث 2026/03/11 - 2:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 97 الشهر 9108 الكلي 15001177
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير