إيران والحرب المفتوحة.. إلى أين يتدحرج الشرق الأوسط ؟
موفق البياتي
الحروب الكبرى لا تبدأ حين تنطلق الصواريخ. بل حين يتوقف العقل عن الاصغاء الى صوت الحكمة. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في الشرق الاوسط.
هذه المنطقة، ومنذ سنوات طويلة تعيش فوق فوهة بركان؛ حروب صغيرة ازمات متناسلة، توترات تتراكم كطبقات البارود، لكن ما يجري اليوم مختلف تماما. فحين تدخل ايران في قلب مواجهة مفتوحة وتتحرك الاساطيل وترتجف اسواق النفط وتستيقظ العواصم الكبرى على صوت طبول الحرب فاننا لانكون امام ازمة عابرة، بل منعطف تاريخي قد يعيد تشكيل المنطقة كلها.
لقد اعتاد شرقنا المتوسط ان يعيش على حافة الهاوية. وهو لا يجيد الا هذه الحياة لكنه اليوم لايقف على الحافة فحسب، بل انه يبدو وكأنه يتدحرج نحوها.
و السؤال الذي نحن معنيون بالاجابة عليه، ليس من سيطلق الصاروخ التالي، و لا من سيرد على الضربة المقبلة فمثل هذه التفاصيل شأن عسكري يتغير كل ساعة، السؤال الحقيقي اعمق من كل ذلك، اعمق بكثير، السؤال هو : هل دخل الشرق الاوسط مرحلة الحرب المفتوحة؟
ايران ليست دولة هامشية في معادلة هذا الشرق، وهي لاعب مركزي كبير في شبكة معقدة من التحالفات والصراعات تمتد جغرافيتها من الخليج وحتى البحر الابيض المتوسط، وكل خطوة تخطوها طهران في اتجاه التصعيد لا تبقى محصورة في حدودها، بل ترتد اصداؤها في عواصم عديدة ، ومنها بغداد. ولهذا تبدو الحرب مع ايران مختلفة هذه المرة عن كل الحروب السابقة في هذا الشرق فهذه ليست مواجهة بين جيشين على جهة محددة، بل صراع مفتوح يمتد كالنار في الهشيم عبر خرائط متشابكة من المصالح والتحالفات.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية لا تتحرك الجيوش وحدها، بل تتحرك ايضا حسابات النفط والطاقة والاقتصاد العالمي، ولهذا ترتجف الاسواق قبل ان ترتجف الجبهات. ولهذا يبدو الشرق الاوسط و كأنه غرفة امتلأت بالغاز والجميع يمسك اعواد الثقاب . ومع ذلك فأن المأساة الكبرى في هذه المنطقة ليسست في كثرة الحروب، بل في سهولة الانزلاق اليها، فالتاريخ هنا يتقدم لا بخط مستقيم، بل يتحرك غالبا عبر الانفجارات.
الشرق الاوسط : منطقة لاتتعلم من حرائقها
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تعرف منطقة في العالم كثافة الحروب التي عرفها الشرق الاوسط، حروب بين دول، حروب اهلية، صراعات، تدخلات دولية ثم ثورات وانقلابات، ومع ذلك فان المفارقة المأساوية في هذه المنطقة، هي ان كل حرب كانت تتقدم دائما بوصفها « الحرب التي ستنهي الحروب «
ولكن التاريخ لا يسير وفق رغبات السياسيين، فالحروب في شرقنا الاوسط هذا ، لم تكن نهاية الصراعات، بل كانت في اغلب الاحيان بداية لصراعات جديدة، وكل حرب من هذه الحروب تركت خلفها جروحا مفتوحة؛ حدودا متنازعا عليها، المجتمعات منقسمة ، اقتصادا منهكا ، واجيالا كاملة نشأت وترعرعت في ظل الخوف وعدم الاستقرار ، ولهذا لم يكن الشرق الاوسط يوما ارضا هادئة بين حربين بل كان في الحقيقة استراحة قصيرة بين عاصفتين .
ايران في قلب العاصفة
ايران ليست مجرد دولة اخرى في خريطة الشرق الاوسط. انها لاعب مركزي في توازنات معقدة تمتد عبر الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن، لذلك فأن اي مواجهة مباشرة معها لا تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية . فهي دولة كبيرة سكانيا وجغرافيا وعسكريا، ولها شبكة علاقات وتحالفات وتاثيرات تتجاوز حدودها. ولهذا فأن الحرب معها لايمكن ان تكون حربا تقليدية محدودة، بل قد تتحول وبسرعة الى صراع اقليمي واسع.
وحين تدخل القوى الكبرى الى مسرح الصراع، يصبح المشهد اكثر تعقيدا، فالحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهات عسكرية بل هي عالمية، ولهذا فأن اسعار النفط ترتجف في الاسواق قبل ان ترتجف الجبهات العسكرية
عالم يراقب : ولكن بقلق
العالم لاينظر الى ما يحدث في الشرق الاوسط بوصفه ازمة اقليمية فقط، فهذه المنطقة تمسك بمفاتيح حساسة في الاقتصاد العالمي، النفط والطاقة، الممرات البحرية، والاستقرار الجيوسياسي، واي حرب واسعة هنا قد تتحول وبسرعة الضوء الى ازمة عالمية، ولهذا تبدو العواصم الكبرى اليوم وكأنها تمشي على ارض هشة، لانها تدرك ان التصعيد قد يقود – وفي اي لحظة – الى انفجار كبير، انفجار لاتملك القدرة على ايقافه احيانا.
هل بالامكان وقف التدهور؟
في لحظات معينة من تاريخ هذا الصراع وفي هذه الحرب يصبح السؤال بسيطا ولكنه قاسيا في آن واحد . هل ما زال بالامكان ايقاف هذا التدهور؟ شرقنا المتوسط عاش حروبا كثيرة وخرج من بعضها اكثر انقساما واشد عوزا واغراقا في الفقر والدمار. لكن الحرب المفتوحة مع ايران قد تكون مختلفة . لانها قد لاتعيد رسم الحدود فحسب، بل قد تعيد رسم مستقبل المنطقة كلها. فأذا كان التاريخ قد علمنا شيئا فهو انه قد علمنا ان الحروب حين تبدا فانها نادرا ما تنتهي كما خطط لها السياسيون.
و لهذا يبدو الشرق الاوسط اليوم ككرة تتدحرج من على منحدر حاد، في البداية قد يكون التدحرج بطيئا. ثم فجاة يصبح من المستحيل ايقافه، والسؤال الذي سيكتبه التاريخ لاحقا لن يكون من انتصر في هذه الحرب ، بل سؤالا اكثر مرارة هذه المرة : لماذا لم يوقفها احد قبل ان تبدا.
حرب تركيع .. لاحرب تطبيع
هكذا تتضح الصورة ومن دون اقنعة: مايجري ليس حربا تقليدية بقدر ماهو مشروع متكامل لليً ذراع ايران حتى تنحني. فالمسألة لم تعد تتعلق بصواريخ تطلق او منشأت تقصف، بل بارادة يراد لها ان تكسر. وبقوة اقليمية يراد لها ان تجبر على الركوع امام ميزان قوة يصاغ بالنار والبارود.
انها حرب تركيع اكثر منها حرب ردع، غير ان التاريخ يهمس دائما بحقيقة قاسية : الامم قد تهزم في معركة . لكنها نادرا ما تركع بارادتها. ومن هنا يقف الشرق الاوسط اليوم على حافة سؤال خطير: هل تنتهي الحرب بتركيع ايران.. ام انها ستفتح ابواب فوضى اكبر من قدرة الجميع على اغلاقها؟ فحين تشعل الحروب لاذلال الشعوب. كثيرا ما يكتشف العالم متاخرا انه اشعل حريقا لا يعرف كيف يطفئه.
□ قاض متقاعد