الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الصيام تمرين على الوعي لا طقس على الجسد

بواسطة azzaman

الصيام تمرين على الوعي لا طقس على الجسد

عادل خطاب العبيدي

 

حين يُختزل الصيام في كونه وسيلةً لمعرفة الجوع أو اختبار الصبر، فإننا نظلمه، ونحوّله من تجربة فلسفية عميقة إلى عادة متكررة بلا روح. فالصيام، في جوهره، ليس عقوبة للجسد ولا استعراضًا أخلاقيًا، بل تمرين واعٍ على إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان ورغباته، وبين الزمن والاختيار.

الصيام هو أولًا تعليقٌ مؤقت للعادة. الإنسان كائن تكرار؛ يأكل في وقت محدد، يشتهي في وقت محدد، ويستجيب تلقائيًا لإشارات الجسد. حين يصوم، فهو لا يحارب الجوع بقدر ما يعلّق الاستجابة الفورية له. هذه المسافة الصغيرة بين الرغبة والفعل هي جوهر الصيام: لحظة تفكير بدل اندفاع، ووعي بدل تلقائية.في هذا المعنى، الصيام ليس حرمانًا، بل تحريرًا من الإكراه الخفي الذي تمارسه الرغبات اليومية. فالرغبة حين لا تُفحَص تتحوّل إلى سيّد، وحين تُؤجَّل تصبح سؤالًا: هل أحتاج فعلًا؟ أم أنني اعتدت فقط؟

كما أن الصيام يعيد تعريف الزمن الداخلي للإنسان. نحن نعيش في عالم يُقاس فيه الوقت بالاستهلاك: ساعة قهوة، ساعة طعام، ساعة متعة. الصيام يكسر هذا الإيقاع، ويخلق زمنًا مختلفًا، زمنًا لا يُملأ بالأشياء بل بالانتباه. ولهذا يشعر الصائم أحيانًا بثقل الوقت، لا لأن الزمن أطول، بل لأنه صار مرئيًا.

ومن زاوية أعمق، الصيام هو تجربة سيادة على الذات. في عالم تحكمه الإغراءات السريعة والإشباع الفوري، يصبح الامتناع فعل قوة لا ضعف. أن تقول “لا” لما تستطيع قوله “نعم” له، هو إعلان غير صاخب عن امتلاك الإرادة، لا قمعها.وليس الصيام موجهًا ضد الجسد كما يُظن، بل هو إعادة تفاوض معه. الجسد الذي نغرقه يوميًا بالطلب، يحتاج أحيانًا إلى الصمت ليُسمَع. في الصيام، يتكلم الجسد بلغة مختلفة: لغة الإيقاع، والتوازن، والحدّ. وهنا لا يعود الإنسان مستهلكًا لجسده، بل شريكًا له.أما أخلاقيًا، فالصيام لا يعلّم التعاطف عبر الجوع فقط، بل عبر الوعي بالاختيار. الفقير لا يختار جوعه، أما الصائم فيختار الامتناع. هذا الفرق يولّد سؤالًا أخلاقيًا عميقًا: ماذا يعني أن أملك القدرة على التوقف؟ وكيف أستخدم هذه القدرة خارج الصيام؟

في النهاية، الصيام ليس اختبارًا للإيمان بقدر ما هو اختبار للوعي. من يصوم دون أن يسأل نفسه عمّا تغيّر في عــــلاقته بذاته، قد أتمّ الطقس وفاته المعنى. فالمغزى الحقيقـــي للصيام لا يُقاس بعدد الســاعات، بل بمدى قدرتنا بعده على العيش بقـــدر أقل من الانقياد، وبقدر أكبر من الاختـــيار.

 

 


مشاهدات 46
الكاتب عادل خطاب العبيدي
أضيف 2026/03/10 - 2:42 PM
آخر تحديث 2026/03/11 - 2:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 9145 الكلي 15001214
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير