الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحبكة القصصية وردود الأفعال.. قصة ( ليلة الطعن بالخناجر ) 


الحبكة القصصية وردود الأفعال.. قصة ( ليلة الطعن بالخناجر ) 

جاسم عاصي

 

إلى قصي الخفاجي بمناسبة صدور مجلد قصصه عن دار الأروع . 

هذه القصة شغلتني كثيرا ً منذ أن اطلعت عليها في  بداية تسعينيات القرن الماضي ، وكتبت عنها ضمن ما كتبت في حقل ( قراءة في قصص الشهر الماضي ) الذي كنت أعده شهريا ً في ثقافية صحيفة القادسية  . وللتأريخ كتبت عن قصص كثيرة بجرأة قد لا تفوق الجرأة التي  تحلت بها . وهذه القصص وسواها  طرحت رؤيتها  ووجهة نظرها بما كان يجري بفنية عالية . وحين قررت الكتابة عنها بمعزل عما كتبت سابقا ً اختفت من أرشيفي الخاص . ولحظة طلب مني الأخ ( قصي ) الحصول عليها وقعت في الحرج ، بالرغم من بذلي قصارى جهدي . وبالصدفة عثرت عليها ، مرسلا ً إياها من فوري ، وها هي تُنشر في ملحق  (الطريق  الثقافي ) محاولا ً إعادة قراءتها بمعزل عن القراءة السابقة .

العنوان .. مباشرته وخفاياه /

يبدو العنوان مباشرا ً ، وهو إشارة واضحة إلى القتل  . ولكن هل أن القاص أسفر عن طبيعة الطعن كرد فعل لفعل غير معلن اللحظة ؟ هذا السؤال يقود إلى إجابات في نظري ؛ فهو رد فعل جسّد فعلا ً بشعا ً ، لأنه بالأساس ذو مساس بآلة القتل وهي ( الخنجر ) وهي أداة تعمل على تمزيق الجسد . لكن كلمة ( الطعن ) هنا أبعدت ظاهرة التمثيل بالقتيل ، وحصرتها في تصويب الضربة . لذا فأن فعل القتل لم ينتج ردة فعل لدى القتيل . فهي ضربة نجلاء بوصف قوة القاتل وقوة رجولته . لكن لا يمنع من طبيعة الضربة ، من حيث أسبابها كونها غير جلية وواضحة ، فهي تنتج أسئلة ؛ هل هي دفاعية ، أم هجومية ؟ وغير ذلك من الهواجس ما قبل القراءة . ثم أنها حدثت ــ أي الطعن ــ في الليل . وهذا يعني ثمة شكل من أشكال الجريمة في عملية القتل . هذه الهواجس التي أنتجتها قراءة العتبة ، لهي دالة على مهارة سبك العنوان وانتاجه على وفق رؤية خاصة ، تـُعلن بأقل مما تـُخفي . وهذه خاصية للثريا ذات المحمولات غير المعلنة ، بما يدفع القراءة للكشف عن المسكوت عنه في العنوان وما بعده . أو كشف الإيهام الذي توارى خلفه العنوان .

خاصية السبك القصصي /

لاشك إن النص ذو حبكة عالية البناء ، تعتمد على بناء هرمي ، قد يبدو تقليديا ً ، لكنه على غير ذلك . أي أن ما يبدو تقليديا ً يؤكد معمار السرد والوصف فتدوين حدث كهذا  يؤرخ لظواهر ، لكنه معني بظاهرة واحدة . لم يبدد جهد السرد في غياهب الغور في فعاليات القمار أو التهريب ، أو كل ما تعمله الجماعة تلك على مشارف ف شط العرب ، بقدر ما استعان بالكل ، ليصل إلى الجزء . معتبرا ً الجزء هو الأهم والأعم . فظاهرة الشذوذ الجنسي ، وملاعبة الصبية جسدا ً عبر الرقص ، وإثارة الشهوة الجنسية المنحرفة باتجاهات منحرفة ما يشكـّل صلب معنى النص . وأرى أن القاص شديد المهارة في سبك هذه البنية القصصية ، فقد قرأت له جملة قصص في دورية ( البصرة أواخر القرن العشرين ) التي نافت عن العدد الحادي عشر على ما أتذكر . وللتاريخ أرى فيها منشورا ً أدبيا ً أعلن عن قدرة قاصين مهمين من بعد تجربة القاص ( محمد خضير ) لها خصائصها الذاتية والعامة . أرى أن الذاكرة ظلمتها أفدح ظلم . والقاص ( الخفاجي ) قدم من خلالها نصوصا ً مهمة على صعيد الحبكة السردية ، وخاصة قصته ( جثة في العراء ) التي نـُشرت في ثقافية القادسية ، حيث تحمل صوتا ً ناقدا ً وجريئا ً عن الحرب آنذاك . المهم في تذكري هذا أن القاص كثير الاهتمام بمعمار نصه ، يهمه كثيرا ً الإناء الذي تسكب في حوضه العبارة والحدث ، لذا فالماء لديه من لون الإناء . وهذه القصة ظهرت على متن قصص مسبوكة حدثا ً ولغة ومراقبة مكثفة ، لا تحيد عن حراك الشخصيات في تباعدها أو اقترابها من بعض , فهو يرتب لصلب نصه المؤجل مقدمات ، يكشف عن ديكور يتمم من خلاله مشهده . فليس من حدث مقطوع من أصله ،ولكل علـّة معلول عنده . وهنا نجده يربط هذه المقاطع القصصية مع بعض ، تلك المشاهد الواصفة ما قبل بدء الطقس الزنجي الراقص ، واثنائه وما بعده ، ليشكـّل لحمة النص الأساسية ، أو ذروته المرتقبة عبر هذا التوالي في السرد والوصف .

الفعل ورد الفعل في النص /

لقد بنى النص معماره على النظر إلى الأفعال وردود الأفعال منذ بدء النص . أي منذ بدء مسيرة الجوقة التي اعتادت المقامرة على ضفة النهر ، مرورا ً بوجود شرطة الدورية وهي تتقصى أثرهم . ثم مراقبة الصبي ( حمدون ) لكل ما يجري أمام نظره . وصولا ً إلى شك قائد الجوقة ( منصور ) بوجود شخصية ( حمدون ) مراقبا ً لهم . وأخيرا ً ما كان يدور داخل عريشة ممارسة طقوس الشرب والرقص ، وهيجان الحس الجنسي الشاذة لدى الزنجي (منصور ) وتشبثه بجسد ( حمدون ) من باب أول هو الانتقام منه ، بسبب شكه في تعاونه مع الشرطة ، فهو مخبر لهم ، كذلك بسبب تصاعد الرغبة الجنسية الشاذة بعد أن أيقظت الخمرة شذوذه الدفين . وهذا ما أوصل فعله وأفعال طباليه ومرددي شعر المجون إلى أن يخلق ردود فعل عند الصبي ( حمدون ) يساعده في ذلك طبيعة يتمه ، ورعاية جدته العجوز ، ووصاياه في الاحتفاظ برجولته وكبريائه ، كيما يعوض كبوة الأب إزاء خيانة الأم ثم موته . هذه العقدة اشتغلت عند الصبي بشكل إيجابي وشجاع ، ساعده في ذلك قوة النداء ، وهرطقة المحتفلين وسواد واقعهم المرّ . لذا فالبسالة هنا مردها إعادة الهيبة للجسد . وهو رد فعل مهم على الصعيد الإنساني .

الجسد والانتهاك /

ثمة علاقة جدلية بين الجسد والعرف الاخلاقي الذاتي ، المصاغ بالتأكيد من العرف الأسري والاجتماعي . لذا نجد أننا بإزاء حالة دفاع عن الجسد . وهذا قد يحدث للجسد الأنثوي أو الذكوري . والثاني التي كتب عنه الباحث ( إبراهيم محمود ) في كتابه المهم ( المتعة المحظورة ) وأرى أنه قدّم دراسة مهمة عن تاريخ  الشذوذ الجنسي عند الذكور في العصور الجاهلية والإسلام ، أو ما يطلق عليه ( اللواط ) كذلك أسهمت كتب أخرى في دراسة الجسد الأنثوي كأيقونة معرفية لها محمولات ثقافية ، وأخرى درست الجسدين من منظور أسطوري . بمعنى تعددت النظرات والبحوث والجسدين ثنائيين ما زالا ، وهذا يعني ويؤكد أهميتهما الثقافية. وفي النص حصل مثل هذا التأكيد ،وبشكل عملي . ونقصد به الدفاع عن الجسد بعيدا ً عن التلوث . على الأقل من وجهة نظر الصبي ، ونظراته لعقدة حياته التي بدأت من الانتهاك الأمومي ، صعودا ً إلى انتهاك الموت لجسد أبيه قهرا ً وغضبه المكبوت  بسبب فعل الأم . وكل هذا تبلور في وصايا الجدة في الدفاع عن الجسد بكل مناحيه .

إن جسد الصبي عانى من هذا الانتهاك ، لذا فردّت فعله إزاء انتهاك جديد مضاف ، يعني أنه يضفي تشويها ً على تاريخه ، مما دفعه إلى أن يوقظ دفاعاته ذات المساس برجولته كإنسان ، وليس الاستسلام إلى صفة ــ الخنوثة ــ التي كان يتصورها ( منصور ) وأصحابه ، الذين أوقعوا الكثير في حبائل رغباتهم الجنسية الشاذة .

نظرات تحلي ومواءمة /

تتدرج المعلومة التي يرصدها النص في شخص ( حمدون ) بتسلسل لا يشوبه الارتجال في التعبير ، ولا التهويل في المشهد ، بقدر ما يقدمه منسابا ً ،كما لو أنه يقلـّب صفحات متباعدة من تاريخ الشخصية ، بحيث لا يُبعدها عن وجود الآخرين في المشهد أو المكان القصصي . فلقب ( ابن الزانية ) كناية لفعل الأم ، لم يدفعه لردود فعل مغايرة وشاذة . وهذا مردّه كما أرى إلى فاجعة موت الأب لنفس السبب . لذا فنحن أمام نموذج قصصي استثنائي . كما وأنه يراقب المجموعة بسبب تشرده في الشوارع وعلى أرصفة وضفاف النهر ، إذ لمح المجموعة ، كذلك مجموعة الدورية المكافحة للقمار . غير أن السارد يؤكد على { كان رجال الدورية الملثمين ، يُدهمون المكان بين فترات متباعدة بأوامر تكافح القمار وأفعال الشذوذ } وهذا يعني أن ( حمدون ) يعلم بذلك . وهذا يقودنا إلى أسباب توغله مع المجموعة ودخوله عريشتهم . لذا فنحن بإزاء أفعال وردود أفعال تنتظم على وفق إيقاعين ؛ الأول : فعل الخمر ، والثاني : فعل الضرب على الآلات وترديد ابيات من شعر المجون بإزاء التغزل بمفاتن جسد الفتى ( حمدون ) وهو نوع من تصعيد فعلين مؤكدين ؛ الأول :هيجان شهوة ( منصور ) الجنسية ، وتصعيد وتيرة غضب ( حمدون ) على كل ما يفعلونه . لذا انصاع لندائهم بأن تعرى ، كي يصعّد وتيرة اللذة والشهوة ، وثانيا ً : تصعيد فعل الخمرة في الرؤوس . وما تكرار ( منصور ) لأسئلته المنصّبة في : { هل رحلوا يا حمدون  ؟ــ ويقصد رجال الدورية ــ/ رحلوا يا ريّس ./ ألم يعودوا يا حمدون ؟ / لا أدري بالله يا ريّس } إلا لتأكيد التطامن الذي يتطلبه وضع ( منصور ) وتوفره واحتوائه  الآتي لجسد ( حمدون ) . إن نظرة ( منصور ) للصبي ( حمدون ) مشوبة بالحذر ، فهو من جهة يُدير فكرة الشك في كونه مخبرا ً من جهة ، ثم يستنهض رغبته الجنسية من جهة أخرة من خلال معاقرة الخمرة ، وطلب الضرب على آلات الطرب . ولعل شيوع جو تصاعد دخان أعواد البخور ، واحدة من الطقوس المُساهِمة في تصعيد رغبته الجنسية . { هو يكظم ارتيابا ً وخوفا ً من ذلك الصبي ذي الدشداشة المقلمة ، ثم يصوّب إليه عينين ذئبيتين متحديتين } . يقابل ذلك شعور الصبي إزاء نظراتهم ، وما يرددون من أشعار المجون بحقه ، ثم نظرات (منصور ) الجائعة  { لملم خوفه وجمع حذره وعصارة غضبه وحرقة دمه ، وحشرها بقوة داخل روح أبيّة، تغلي بالثأر والصلابة وعنفوان الدماء } هذا المقطع دليل قاطع على أن الصبي إنما يجمع طاقته في فهم فعل انتهاك جسد الأم من قبل من يشبهون هؤلاء ، فهو بإزاء قتلة أباه مجازا ً بسبب ردة فعل من فعل صادر من نموذج يشبههم  . فموت الأب  مقابل انتهاك جسد الأم وخيانتها ، وقتل منصور والجماعة يعني قتل أفعال من ارتكبوا جريمة قتل الأب . هذا المجاز اشتغل بعنف وتلقائية دلالية . وهو حاصل  تحصيل لكل التوترات التي رافقت الرقص أو طقوس معاقرة الخمرة . والسرد تابع كل الأفعال وردودها ، وحين وصل التصعيد ذروته كان نداء الجدة من بين كل مكونات ذاكرة ويقظة الذهن لدى منصور . وبمهارة القص ، اختصر العبارة لتؤدي وظيفة السرد المكينة والمقتدرة في { كان ذلك في سورة من سورات الانتقام والغضب . ولما فاحت أفاعي الموسيقى ، وتماوجت أصوات الطبول قفز حمدون ليمارس الدور ، قفز بخفة ، يرقص ويرقص ثملا ً بسطوة البطولة } يقابل ذلك فعل الانتقام بقوة إزاء ضعف عنفوان أجسادهم ذات الرغبات الشاذة ، فقد تعتعت الخمرة عقوله وأجسادهم . لذا { ارتفع عاليا ً .. عاليا ً كالصقر الباشق ، وكفه تندّس في السروال تحكم قبضتها على الخنجر . ومع الانحدار السريع الثاني ، في كثافة العتمة هتف به صوت جدته { أوليدي حمدون طعنتك الأولى للذيب والبقية للنعاج ..} هنا وجه حمدون ضربته السديدة إلى رقبة الريّس منصور ، فاندفعت نافورة الدم تضخ دخانها القاتم ترش المكان } .

كان هذا أهم ردود الأفعال بقتل رأس الأفعى كما أوصت الجدة . وهنا أيضا ً حقق استرجاع الكرامة . فكأنه يخاطب ضمير الأب المقتول غيلة بسبب الخيانة الزوجية ، وما ــ مغادرته على متن الباخرة اليونانية الراسية بمياه شط العرب وانطلاقها بالحركة والمغادرة إلى الأبد ــ إلا نزوع في التخلي عن حالة الغضب التي كمنت كثيرا ً في صدره ، وشغلت ضميره ، فهو الآن إنسان آخر ، لم يغادر حيّزه المكاني ، وإنما جدد نظرته للحياة من خلال وصف المغادرة على متن الباخرة ، في كونها مغادرة إلى الأبد ..

 

 

 

 

 

 

 

 


مشاهدات 89
الكاتب جاسم عاصي
أضيف 2026/03/08 - 1:38 PM
آخر تحديث 2026/03/09 - 2:03 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 482 الشهر 7720 الكلي 14999789
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير