الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
  قراءة نقدية في قصيدة ( ذئب) للشاعر عبد المنعم حمندي


  قراءة نقدية في قصيدة ( ذئب) للشاعر عبد المنعم حمندي

مصطفى حسن

 

تمثل قصيدة "ذئب" للشاعر عبد المنعم حمندي نموذجاً حاداً لما يمكن تسميته بـ "شعرية الارتطام بالعدم"، حيث تتجلى تجربة الشاعر هنا كرحلة اغترابية تبدأ من تفتيت الحواس وتنتهي باستيطان الرعب في الداخل.

​يبدأ الشاعر تجربته بإعلان "الانفصال" عن المدركات المادية. (الوجه بلا عينين أو أذنين) ليس عجزاً عضوياً، بل هو موقف احتجاجي ضد واقعٍ فقد منطقه. تجربة الشاعر هنا هي تجربة "الرائي بقلبه" لا بعينه؛ فهو يميز ضحك الألوان وقرع الأصداء الصامتة. إنه يقدم لنا "سريالية الوجع" حيث تنقلب الحقائق الفيزيائية لتفسر الانهيار القيمي في العالم المحيط.

​حين يسأل "كيف يميز الألوان تضحك؟" و"الأصداء تُقرع دون صوت"، الشاعر ينقل الصراع من المستوى المادي إلى المستوى الميتافيزيقي. الحواس هنا لا تعمل لأن الواقع نفسه "أخرس"

​في هذه القصيدة، يخرج الشاعر من دور "الضحية التقليدية" ليكون هو "المسرح" الذي تقع عليه المأساة. حين يقول:

"مُذ كنتُ بينهما الفلاة"

​فهو يشخص تجربته كإنسان عراقي عاصر الحروب والتحولات؛ إنه ليس الذئب وليس الشاة، بل هو الأرض (الفلاة) التي ينهشها الصراع. هذه الرؤية تعمق مأساة الكائن الذي لا يملك خياراً سوى أن يكون شاهداً على تمزق جسده وهويته.

​تصل تجربة الشاعر إلى قمتها حين يبدأ جسده بالتمرد عليه:

"ترفضني خطاي"

"تهرب من فمي لغتي"

"تتركني يداي"

​هذا "التفكك" يعكس تجربة شاعر فقد الثقة في أدوات التواصل مع العالم. اللغة التي كانت حصنه تهرب منه، واليد التي كانت تبني تتركه. إنها تجربة "الاستلاب الكامل"، حيث يصبح الشاعر غريباً حتى عن أعضائه، وهو تعبير بليغ عن صدمة المثقف أمام هول الفوضى (فوضى الموت في الأرجاء).

​أخطر ما في تجربة حمندي في هذا النص هو تحول "الخطر" من خارجي إلى داخلي.

"الذئب يخرج من نعاسي"

​هنا ينتقل الشاعر من تصوير الحرب والدمار كأحداث خارجية، إلى تصويرها كـ "كوابيس مستوطنة". الذئب (الذي قد يرمز للموت، للغدر، أو للسلطة الغاشمة) لم يعد يطارد الشاعر في البراري، بل صار ينبثق من لحظة نومه. هذه هي قمة المعاناة الوجودية؛ حين يصبح "النعاس" -وهو ملاذ الراحة- هو نفسه مكان الولادة للقلق والافتراس.

​تجربة الشاعر هنا لا تتكئ على البلاغة التقليدية، بل على "بلاغة النزف". استخدام تفعيلة "الكامل" (حسب المقاطع) بتدفق سريع وتقسيمات قصيرة (وأنا الذبيح / فأصيح) يخدم حالة الفزع النفسي. القوافي ليست مجرد رنين، بل هي دقات قلب مضطرب (بلادي، فؤادي، البوادي) تربط الوجع الشخصي بالوجع الوطني برباط عضوي لا ينفصم.

القصيدة نصٌّ ينهض من قلب "الخراب الجميل"، حيث تتحول الكتابة إلى فعل "تشريح" للذات والوطن في آن واحد. عبد المنعم حمندي هنا لا يكتب شعراً بالمعنى التقليدي، بل يقدم رؤيا سريالية تعيد ترتيب الفوضى لتصبح وجعاً منظماً.

​يصل ذروة التكثيف في عبارة: "لفظته حانات المدينة ميتاً من غير موت". هذا هو "الموت المجازي" الذي يعيشه الشاعر في مدينتة (لعلها بغداد بوجعها الممتد) لم تعد تتسع حتى لموتانا.  جعل الموت حالة "فوضى" عامة، بينما موته الشخصي يضيع وسط هذا الركام، مما يطرح سؤالاً وجودياً مريراً: "من ذا يقاتلني إذن؟"؛ فالمقاتلة تفترض وجود "حي"، أما وهو "خريف الجرح" و"عواء الذئب"، فإن القتال يصبح عبثاً مع شبح.:

​هي صور سريالية بامتياز. الجسد يتمرد على صاحبه؛ الخطى ترفض المسير، واللغة (أداة الشاعر الوحيدة) تهرب. هذا الانشطار يعكس حالة "اللا جدوى"؛ حيث يصبح الشاعر مراقباً لتفكك كينونته أمام "مفازات الرماد". ​فيتحول النص من السرد الحزين إلى الحكم الوجودية الصادمة.

"الذئب أمسى حارساً": قلب للأدوار التقليدية، حيث يصبح "التهديد" هو "الحامي"، وهي مفارقة سياسية واجتماعية حادة

"مذ كنتُ بينهما الفلاة": الشاعر ليس الضحية ولا الجلاد،  هو "المكان" المستباح الذي تجري عليه الجريمة.

"الذئب يخرج من نعاسي": هذه أجمل وأقسى صور القصيدة. الذئب لم يعد في "البوادي" كما ذكرت في البداية، بل انتقل إلى "الداخل". لقد استبطن الخطر، وصار التهديد ينبع من لحظة اللاوعي (النعاس).

​النص مكتوب بنفَس "قصيدة التفعيلة" المنضبطة داخلياً، حيث تخدم القوافي (الرماد، البلاد، الفؤاد) المعنى دون أن تكون "حشواً". الموسيقى هنا جنائزية، تتبع نبض الجرح لا نبض الطبل.

قصيدة "ذئب" هي نص عن "الاستلاب". الشاعر فيها ليس مجرد راوٍ، بل هو "قربان" (الذبيح) الذي يصيح في كل الجهات، لا ليطلب النجاة، بل ليثبّت لحظة الانكسار التاريخي للروح والبلاد.

​تجربة عبد المنعم حمندي في قصيدة "ذئب" هي صرخة كائن يحاول استعادة ملامحه وسط "مفازات الرماد". إنه يواجه الموت بـ "موتٍ آخَر" أكثر وعياً، ويحول العجز الفسيولوجي (فقد الحواس) إلى قدرة فائقة على رصد قبح الوجود. القصيدة ليست مجرد رثاء لحال، بل هي إدانة شعرية لزمنٍ صار فيه الذئب حارساً، والحلم مجرد طريدة.

----------------------------------------------

 قصيدة ذئب

عبد المنعم حمندي

=================

وجهٌ بلا عينين او اذنين

 كيف يميز الالوان تضحك ؟

 كيف ....

 كيف يميز الأصداء تُقرع دون صوت ؟

 لفظتهّ حاناتُ المدينةِ ميّتا  من غير موت

                مابين فوضى الموت في الأرجاء موتي

                مَنْ ذا يقاتلني اذن ؟

                وانا خريفُ الجرح في عنق البلادِ

                وانا عواء الذئب في عطش البوادي

                اجري وترفضني خطاي

                اجري وتهرب من فمي لغتي ...

                وتتركني يداي

                تتكسر الاحلام خلفي

                الريح نزفي

                 تتأمل الاشجار تنهض ....

                 كيف تنهض من مفازات الرمادِ؟

                 الحب اطلق نحله .....

                 في الريح صار خليةً

                  وكان أسخى في النزيف

                  وكان اصلب في العوادي

                  لكأن  نَوْحك يا بلادي

                   كان جرحاً في  فؤادي

     

  الذئب أمسى حارسا والحلم شاة

  مذ كنت بينهما الفلاة

  من ذا يؤالف بيننا

  وأنا الذبيحُ

  فأصيحُ  

  في كل الجهات

   الذئب يخرج من نعاسي

    والحلم شاة   

-------------_


مشاهدات 56
الكاتب مصطفى حسن
أضيف 2026/03/17 - 12:38 AM
آخر تحديث 2026/03/17 - 1:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 14091 الكلي 15006160
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير