العراقٌ وأوزبكستان.. وجوه متشابهة في قلبين متباعدين
أحمد جاسم الزبيدي
في كل صباحٍ أستيقظ فيه على صوت الأذان في طشقند، أشعر وكأنني ما زلت في بابل، تلك المدينة التي وُلدتُ فيها وتركتُها مجبرًا، لا هاربًا من أرض، بل باحثًا عن وطن يشبهها في الروح، وإن اختلف عنها في اللغة والجغرافيا. لم أكن أعلم حين وضعت قدمي على أرض أوزبكستان أنني سأجد فيها عراقًا آخر، يختبئ في تفاصيل الناس، في طيبة الوجوه، وفي دفء الضيافة، وحتى في وجع الذاكرة الجماعية التي تشبهنا كثيرًا.
أوزبكستان، هذه البلاد الواقعة في قلب آسيا، تفتح ذراعيها لي كأنها تعرفني منذ زمن، وكأنها تتذكر صوت دجلة حين يعانق ضفاف بغداد، وتبكي مثلي على أطلال حضارة ضيّعها الطغيان والحروب. فها هنا، كما في بلادي، التاريخ يتكلم. سامراء تقابلها سمرقند، وبخارى ليست ببعيدة عن الموصل، لا في الجمال ولا في الإرث الروحي.
كلا البلدين عرفا مجد الحضارة الإسلامية وشاركا في صياغة وجه العالم الإسلامي. في بغداد، وُلدت الفلسفة العباسية وترعرعت مكتبة بيت الحكمة، وفي أوزبكستان وُلد البيروني وابن سينا والنسفي والخوارزمي، مناراتٌ لا يزال نورها يصل إلى حاضرنا.
ذاكرة سياسية
حتى في الجغرافيا، ثمّة شبه خفي. دجلة والفرات في العراق، يقابلان سيرداريا وأموداريا في أوزبكستان. الأنهار، كما البشر، تسرد تاريخًا مشتركًا من الزراعة والتجارة والتصوف والهجرات. والمفارقة أن الشعبين، رغم بعد المسافة، يشتركان في ثقافة شرب الشاي ، في الكرم الريفي، وفي طقوس المجالس الليلية التي تمزج بين الدين والحكمة والفكاهة الشعبية.
أما عن الذاكرة السياسية، فكلا الشعبين ذاق مرارات الاستعمار والاحتلال، وشهدا تحولات كبرى أنهكت جسدهما وأيقظت وعيهما. العراق خرج من نير الاحتلال البريطاني ليقع لاحقًا في دوامة الانقلابات والحروب، وأوزبكستان خرجت من عباءة الاتحاد السوفيتي باحثة عن هوية وطنية مستقلة تجمع بين الإسلام والعصر. كلاهما يبحث الآن عن التوازن، عن مستقبل لا يُقصي الجذور، ولا يستنسخ الخراب.
لكن ما يثيرني أكثر هو تلك القدرة العجيبة لدى شعبي البلدين على النهوض بعد كل انكسار. في العراق، كما في أوزبكستان، الناس يحبّون الحياة رغم أنف الأحزان. يزرعون الحدائق بين الأنقاض، ويقيمون الأعراس وسط العواصف، وكأنهم يقولون للتاريخ: لن تنتصر علينا الكراهية.
كلما سرتُ في أزقة بخارى، وتذكّرت دروب الكاظمية أو شارع المتنبي، أشعر بأننا، نحن العراقيين، لم نغادر تمامًا عالمنا، بل وجدنا له صدى هنا، في وجوه الطاجيك، في ابتسامة الأوزبك، في مآذن المساجد التي ترتفع بتواضع، وفي ذلك الاحترام العميق للعلم والدين الذي يذكرني بشيوخ النجف وبغداد.
أكتب هذه الكلمات، لا لأرسم تشابها سطحيًا بين بلدين، بل لأُشهد للعالم على حقيقة أعمق: أن الأرواح المتشابهة تتلاقى رغم المسافات، وأن قلب العراق لا يزال ينبض في أرض تُشبهه كثيرًا... أرضٌ تُدعى أوزبكستان.