الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جدلية الوسيط الورقي والرقمي.. مقروئية الصحف في زمن البيئة التفاعلية

بواسطة azzaman

جدلية الوسيط الورقي والرقمي.. مقروئية الصحف في زمن البيئة التفاعلية

غزوان المؤنس

 

لا يمكن اختزال سمة التفاعلية في عصر الميديا الاجتماعية بوصفها ظاهرة مستحدثة ارتبطت بظهور المنصات الرقمية فحسب بل هي امتداد تاريخي عميق لفعل الاتصال الانساني منذ المسرح البابلي وصولا الى فيسبوك. فالتفاعل لم يولد مع الشاشة بل كان ملازما لكل تحول اتصالي شهدته البشرية.

ان الثورات الاتصالية الخمس التي مرت بها الانسانية منذ نشأة التجمعات البشرية وحتى البيئة الرقمية المعاصرة اتسمت جميعها بدرجة من التفاعلية وان اختلفت نسبتها واشكالها. من الشفاهية الى الطباعة ثم الصحافة فالاذاعة والتلفزيون وصولا الى الصحافة الرقمية ظل الجمهور حاضرا بوصفه شريكا في المعنى لا مجرد مستقبل سلبي. غير ان اختلاف الوسيط كان يحدد طبيعة التفاعل وسرعته وحدوده.

وفي هذا السياق تبرز جدلية مقروئية الصحف الورقية والالكترونية في ظل البيئة التفاعلية المعاصرة. فثمة اتجاه يرى ان زمن المقروئية الورقية قد انتهى تحت هيمنة الوسائط الرقمية المتسارعة، في حين يذهب اتجاه اخر الى ان الصحف الورقية ما زالت تحتفظ بقدرتها على الاستمرار والتأثير. والحقيقة ان فهم هذه الجدلية لا يتحقق عبر منطق الالغاء بل من خلال تحليل مخرجات وسائل الاعلام بوصفها حلقات متكاملة في مسار التطور الاتصالي.

لقد اثبت التاريخ ان ايا من الوسائط لم يلغ سابقيه بشكل كامل. فما زال المسرح قائما الى جانب الكتاب، وما زالت الجريدة حاضرة الى جانب الاذاعة والتلفزيون، كما ان الصحافة الرقمية لم تقض على اشكال التعبير السابقة بل اعادت تموضعها داخل بيئة اكثر تشابكا. ومن ثم فان العلاقة بين القارئ والجريدة سواء كانت ورقية ام الكترونية هي علاقة تفضيل وسياق اكثر مما هي علاقة صراع وجود.

فالقارئ الذي يجد متعته في تصفح الجريدة الورقية يستشعر قيمة مادية ورمزية في ملمس الورق وتناسق الاعمدة وبروز العناوين، ويعيش تجربة قراءة هادئة نسبيا تتيح له التأمل والتركيز. في المقابل يرى قارئ الصحافة الالكترونية انها اكثر سرعة وسهولة وانتشارا، تمكنه من الوصول الفوري الى المحتوى والتنقل بين المواد ومشاركة الروابط والتعليق والتفاعل دون قيود مكانية او زمنية، فضلا عما توفره من عناصر ابراز متعددة الوسائط.ومن هنا اتجهت معظم الصحف الورقية الى انشاء نسخ الكترونية وصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي سعيا الى مواكبة التحول الرقمي والحفاظ على جمهورها وتوسيع دائرة التفاعل. فالتكامل بين الورقي والرقمي اصبح استراتيجية بقاء، حيث يجري استثمار التفاعلية الرقمية لتعزيز حضور العلامة الصحفية التقليدية.

ان ازدياد تفاعل الجمهور مع محتوى الصحف ينسجم مع ما ذهب اليه ماكلوهان من ان الوسيط يؤثر في طبيعة الرسالة وفي ادراك المتلقي لها، كما يتقاطع مع تصور هابرماس حول المجال العمومي الذي يقوم على النقاش الحر وتداول المعلومات الصحيحة. غير ان هذا التفاعل يظل مشروطا بصدق المعلومات ودقتها، لان غياب المعايير المهنية يحول النقاش الى تشويش يربك الراي العام بدل ان يعمقه.

وعليه يمكن القول ان مقروئية الصحف التقليدية والالكترونية في البيئة الرقمية التفاعلية ليست حالة تناقض بل حالة تكامل. فالورقي يحتفظ بخصوصيته الرمزية والادراكية، والرقمي يوفر فضاء تفاعليا واسع النطاق، وكلاهما يسهم في تشكيل بيئة قرائية متعددة المستويات تتيح للجمهور اختيار الوسيط الذي ينسجم مع حاجاته.

 


مشاهدات 32
الكاتب غزوان المؤنس
أضيف 2026/02/23 - 10:48 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 12:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 25 الشهر 18522 الكلي 14950165
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير