ما وراء طلب البرلمان تفسير المادة (72/ثانياً/ب) من الدستور
احمد طلال البدري
اطلعنا في مواقع التواصل الاجتماعي على طلب التفسير الصادرمن مجلس النواب / مكتب الرئيس بالعدد /م.ر/84 في 12/2/2026 والموجه الى رئيس المحكمة الاتحادية العليا طالباً تفسير المادة (72/ثانياً/ب) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 والتي تنص على ان (يستمر رئيس الجمهورية بممارسة مهماته ما بعد انتهاء انتخابات مجلس النواب الجديد واجتماعه، على ان يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ اول انعقاد له) ، وقد استند طلب التفسير بعدم حصول انتخابات رئيس الجمهورية ضمن المدة المحددة في هذه المادة لعدم اكتمال النصاب القانوني لعقد الجلسات ، مع الاشارة الى ان المجلس مستمر بعقد جلساته وفق جدول الاعمال المعد دون ادراج فقرة انتخاب رئيس الجمهورية لعدم تحقق النصاب ، ولنا على هذا الطلب الملاحظات الاتية :
1.ابتداً ان الطلب يدين مجلس النواب باخفاقه في تحقيق النصاب القانوني لانتخاب رئيس جمهورية جديد ضمن المدة المحددة بالدستور ، وهذا يرجع لاسباب سياسية توافقية لعدم اتفاق المكون الكردي لدفع مرشحه لرئاسة الجمهورية او ارجاء تقديم مرشح لرئاسة الجمهورية في الوقت الحالي ، وهذا الامر مرتبط ايضاً بالوضع الاقليمي لعدم انجلاء موقف الولايات المتحدة الامريكية من الوضع السياسي للاقليم واحتمالات نشوء حرب في المنطقه.
اجراءات قانونية
كما يؤشر الطلب عدم اتخاذ المجلس الاجراءات القانونية اللازمة لمواجهة حالة الغياب الذي يؤدي الى عدم تحقق النصاب القانوني اللازم لانتخاب رئيس الجمهورية ، اذ ان من اهم واجبات النائب حضور جلسات مجلس النواب وبخلافه يجب ان تتخذ رئاسة المجلس الاجراءات المنصوص عليها في النظام الداخلي للمجلس .
2.سبق للمحكمة الاتحادية العليا وان توصلت بموجب قراراها بالعدد (43/اتحادية/2022) في 13/2/2022 الى خلاصة مفادها استمرار رئيس الجمهورية بممارسة مهماته لحين انتخاب رئيساً جديداً للجمهورية رغم انتهاء ولايته بأنتهاء دورة مجلس النواب ، وبالتالي فأن الاحتمالات القائمة عند النظر بالطلب التفسيري لاتخرج عن امرين الاول: تأكيد توجه المحكمة السابق باستمرارية رئيس الجمهورية بممارسة مهماته والاصح ( اختصاصاته) لحين انتخاب رئيس جديد للجمهورية ، بعد ان تم تجاوز المدة المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية الجديد لضمان استمرارية العمل في المؤسسات الدستورية ، اما الامر الثاني : فهو يتعلق باصدار تفسير جديد للمادة المذكورة يمثل عدولاً قضائياً عن رايها السابق ، وهنا تكمن العبر لان ذلك معناه انهاء ولاية رئيس الجمهورية وخلو المنصب الرئاسي ويتم الركون في هذه الحالة الى المادة (75/ رابعاً) من الدستور والتي تنص ( في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية يحل رئيس مجلس النواب محل رئيس الجمهورية في حالة عدم وجود نائب له ، على ان يتم انتخاب رئيس جديد خلال مدة لاتتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ الخلو).
خلو المنصب
وهذا النص يمكن تفسيره تفسيراً ضيقاً بقصر حلول رئيس مجلس النواب بدلاً من رئيس الجمهورية في حال خلو منصب رئيس الجمهورية لاغراض انتخاب رئيس جمهورية جديد خلال المدة الدة المحدده بالدستور ، اي لاغراض تنظيمية ، وممكن ان يفسر تفسيراً واسعاً بحلول رئيس مجلس النواب محل رئيس الجمهورية بصلاحيات كاملة بما في ذلك دعوة مرشح الكتله النيابية الاكثر عدداً لتشكيل الحكومة هذا من الجانب الدستوري.
3. اما البعد السياسي فأن هذا الطلب قد يحمل في طياته مناورة سياسية لتحريك الماء الراكد ، فهو من جانب قد يدفع المكون الكردي للاستعجال لتقديم مرشح رئاسة الجمهورية ازاء ما يراه تهديداً لاستحقاقه السياسي .
ومن جانب اخر قد يتضمن التفافاً على الكتلة النيابية الاكثر عدداً ومرشحها الحالي ، اذا ما ظهرت بوادر جديدة لتشكيل كتله نيابية جديدة ، تتوافق مع توجهات الكتلة السياسية لرئيس مجلس النواب الذي حل محل رئيس الجمهورية لدعوة مرشحها الجديد لتشكيل الحكومة ، في كل الاحوال نرى الموضوع قد خرج من اطاره الدستوري بعد ضرب نصوص الدستور عرض الحائط ، ويفصح عن هيمنه سياسة التوافقية والمصالح الحزبية على احترام الدستور، ونرى ان هذا الطلب محاولة لاقحام المحكمة الاتحادية العليا لحل هذا المأزق الدستوري ، رغم ان البواعث سياسية ... والله الموفق.