هل خانت أمريكا الكرد؟
قارمان حيدر رحمان
في الذاكرة الجمعية والسياسية للكرد، يشكل عام 1975 ندبة غائرة لا تندمل، حيث تراءت الولايات المتحدة كوجهٍ واحدٍ قبيحٍ للغدر عقب اتفاقية الجزائر، تاركة الثورة الكردية فريسة للانهيار. هذه "الصدمة التاريخية" رسخت قناعة شعبية بأن "أمريكا لا أمان لها". ولكن، عند إخضاع الأرشيف السياسي والإعلامي والتشريعي الأمريكي لمشرط التحليل الدقيق، تتكشف حقيقة مغايرة وأكثر تعقيداً: لم تكن واشنطن يوماً كتلة صماء موحدة في موقفها.
إن الإجابة عن سؤال "هل خانت أمريكا الكرد؟" تستوجب تفكيك بنية القرار الأمريكي إلى معسكرين متصارعين حكما المشهد لأربعة عقود: معسكر "الواقعية السياسية" المتمثل في الإدارة التنفيذية (البيت الأبيض والخارجية) التي عبدت المصالح والتوازنات، ومعسكر "المثالية الليبرالية" المتمثل في الصحافة والكونغرس، الذي انحاز للقيم الأخلاقية وحقوق الإنسان. هذا الصراع الداخلي هو الذي رسم ملامح التراجيديا والإنقاذ في آن واحد.
المحور الأول: هندسة "الصورة الذهنية".. من "المتمردين" إلى "كاسترو الشرق الأوسط" (1961-1968)
لم تبدأ العلاقة الكردية الأمريكية بالسياسة، بل بدأت بـ"الصورة". قبل اندلاع ثورة أيلول 1961، كان الأرشيف الدبلوماسي والإعلامي الأمريكي يصنف الكرد ضمن خانة "القبائل البدائية" أو "قطاع الطرق" الذين يهددون استقرار الدول الحليفة. لكن عقد الستينيات شهد انقلاباً جذرياً في هذه السردية، قاده صحفيون ميدانيون قرروا القفز فوق الرواية الرسمية.
لعبت صحيفة (نيويورك تايمز) دور "كاسحة الجليد" في هذا التحول. ففي عام 1962، خاض الصحفي المخضرم "دانا آدمز شميدت" (Dana Adams Schmidt) رحلة شاقة استمرت 59 يوماً في جبال كردستان. تقارير شميدت لم تكن مجرد تغطية حربية، بل كانت "تأصيلاً فلسفياً" للثورة. لقد قدم الملا مصطفى بارزاني للقارئ الأمريكي ليس كزعيم عشائري، بل كـ "رجل يبحث عن العدالة في عالم لا يحترم إلا الأقوياء".
لكن التحليل الأخطر والأعمق جاء بقلم المحلل السياسي في وكالة أسوشيتد برس، "ويليام ريان" (William L. Ryan). في مقال استثنائي، وصف ريان الزعيم الكردي بأنه "كاسترو الشرق الأوسط".
هذا الوصف يحمل دلالات سيميائية عميقة في العقل الأمريكي:
الكاريزما الثورية: لم يقصد ريان وصم البارزاني بالشيوعية (وهو ما نفاه البارزاني مراراً مؤكداً ديمقراطيته)، بل أراد استحضار صورة "الثائر الجبلي العنيد" الذي يمتلك إرادة فولاذية وكاريزما طاغية تشبه كاسترو، ليقول للأمريكيين: "هذا الرجل ليس بمتمرد، بل هو أيقونة ثورية".
الشرعية الشعبية: نقل ريان وزميله "سيمور توبينغ" الكرد من خانة "المشكلة الأمنية" إلى خانة "حركة التحرر الوطني المشروعة".
هذا التأسيس الإعلامي خلق "رأس مال رمزي" للكرد لدى النخبة الأمريكية والمثقفين، وهو ما جعل قرار الخيانة لاحقاً يبدو صادماً ومستهجناً، لأنه جاء ضد تيار التعاطف الذي بناه هؤلاء الصحفيون.
المحور الثاني: 1975.. صراع "الضمير" ضد "الغرف المظلمة"
حينما قررت إدارة الرئيس "ريتشارد نيكسون" ومهندس سياستها الخارجية "هنري كيسنجر" التضحية بالكرد كـ"ورقة ضغط" رخيصة في صفقة الشاه وصدام حسين، لم يكن هذا القرار يعبر عن "الإرادة الأمريكية" بمجملها، بل كان قرار "الإدارة العميقة". هنا، برز "التباين المؤسساتي" بأجلى صوره. فمقابل برود كيسنجر القاتل، اشتعلت ثورة أخلاقية في صحافة النخبة والكونغرس:
انتفاضة الصحافة (نموذج وليام سافير): تحول الكاتب الجمهوری الشهير في (نيويورك تايمز)، "وليام سافير" (William Safire)، إلى ما يشبه "المدعي العام الأخلاقي" ضد إدارة حزبه. سافير، الذي التقى الملا مصطفى بارزاني في منفاه بفيرجينيا، لم يكتب بلغة المحلل بل بلغة "الضمير المعذب". في سلسلة مقالاته النارية، وتحديداً مقاله الشهير "خيانة السيد فورد السرية" عام 1976، عرّى سافير السياسة الأمريكية، واصفاً ما حدث بـ"العار" الذي سيلطخ سمعة أمريكا لعقود. انضم إليه الصحفي الاستقصائي "جاك أندرسون" الذي فضح تفاصيل التورط الاستخباراتي (CIA) وكيف استُخدم الكرد كبيادق.
تمرد الكونغرس (لجنة بايك): لم يكتفِ النظام التشريعي بالصمت. شكل مجلس النواب "لجنة بايك" (Pike Committee)، التي قامت بخطوة غير مسبوقة: تسريب تقرير سري يدين الإدارة التنفيذية، واصفاً التعامل مع الكرد بأنه عملية لا أخلاقية بامتياز.
هذا الاشتباك بين السلطة الرابعة (الصحافة) والسلطة التشريعية (الكونغرس) من جهة، والسلطة التنفيذية من جهة أخرى، منع القضية الكردية من أن تدفن في "مقبرة الصمت" التي أرادها لها كيسنجر، وأبقى "عقدة الذنب" حية في اللاشعور السياسي الأمريكي.
المحور الثالث: حلبجة 1988.. معركة "إثبات الجريمة"
تكرر سيناريو "الازدواجية الأمريكية" بأقسى صوره أثناء فاجعة حلبجة. تكشف الوثائق أن الإدارة الأمريكية (في عهد ريغان) حاولت ممارسة التضليل الدبلوماسي لحماية علاقتها بصدام حسين أثناء حربه مع إيران، حيث أوعزت الخارجية الأمريكية لدبلوماسييها بالترويج لرواية أن "إيران قد تكون مسؤولة جزئياً" عن القصف.
لكن "التيار المضاد" (الصحافة والكونغرس) كان بالمرصاد:
الصحافة كمحقق جنائي: رفضت (نيويورك تايمز) و(واشنطن بوست) الرواية الحكومية. نشرت التايمز تقارير ميدانية وعلمية، مثل تقرير "آلان كويل"، الذي استند لخبراء دوليين ليؤكد أن الغازات المستخدمة (كوكتيل السيانيد والخردل) هي بصمة حصرية للترسانة العراقية. كما تابعت الصحافة قصص الناجين الذين عولجوا في مستشفيات نيويورك، محولة الأرقام المجردة إلى مآسٍ إنسانية ملموسة.
الكونغرس كسلطة عقابية: استجابةً للضخ الإعلامي، تحرك مجلس الشيوخ فوراً عبر السيناتور "كلايبورن بيل" الذي طرح "قانون منع الإبادة الجماعية" (S.2763)، مطالباً بفرض عقوبات اقتصادية شاملة على بغداد، وهو ما شكل ضغطاً هائلاً أحرج البيت الأبيض وأجبره لاحقاً على الاعتراف بمسؤولية العراق.
المحور الرابع: 1991.. حصاد الضغط وتغيير العقيدة
نصل هنا إلى لحظة الحقيقة والنتيجة التراكمية لهذا الصراع الطويل. إن صدور القرار 688 وإنشاء "المنطقة الآمنة" (Safe Haven) وحظر الطيران في نيسان 1991، لم يكن "منحة" مجانية من الرئيس جورج بوش الأب (الذي كان في البداية متردداً جداً في التدخل خوفاً من "فيتنام جديدة" في العراق).
لقد كان القرار 688 نتاجاً لـ "كماشة ضغط" صنعها تيار القيم:
الضغط البصري والإعلامي: استحضرت الصحافة كل إرث التعاطف الذي بنته منذ الستينيات (من تقارير شميدت وريان)، وربطته بمشاهد الهجرة المليونية، مما خلق رأياً عاماً أمريكياً غاضباً لا يمكن تجاهله.
الضغط التشريعي: أصدر الكونغرس قرارات حاسمة (مثل القرار H.Con.Res.124) طالبت باعتبار الكرد لاجئين سياسيين وحمايتهم، ملوحاً بورقة "الخيانة السابقة" في وجه بوش.
صوت الضمير: عاد وليام سافير ليكتب مقاله الحاسم "اتبعوا الكرد لإنقاذ العراق"، محذراً بوش من أن يدخل التاريخ كـ"ثالث رئيس أمريكي يخون الكرد" بعد نيكسون وريغان.
هذا التحالف غير الرسمي بين الصحافة والكونغرس هو الذي كسر جمود "الواقعية السياسية" وأجبر الإدارة الأمريكية على تبني مبدأ "التدخل الإنساني"، مما أرسى قواعد الكيان الكردي الحالي.
إذن، هل خانت أمريكا الكرد؟
الإجابة الدقيقة والمنصفة تاريخياً هي: نعم، خانتهم "إدارة" أمريكا في لحظات الغرف المظلمة وحسابات الحرب الباردة. ولكن "أمريكا الأخرى" - أمريكا المؤسسات المدنية، والصحافة الحرة، والمشرعين المستقلين - كانت شريكاً وفياً، ودافعت بشراسة عن الكرد حينما عزّ الناصر.
الدرس الاستراتيجي الذي يجب أن يستوعبه الكرد اليوم، هو أن "القرار الأمريكي" ليس بيد الرئيس وحده. وأن كسب معركة "الرأي العام" و"الكونغرس" و"الإعلام" هو الضمانة الحقيقية لمنع تكرار الخيانة. إنه الدرس الذي كتبه بالدم والحبر رجال عظام مثل الملا مصطفى بارزاني، وصحفيون شرفاء من طراز ويليام ريان ووليام سافير.