الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل نُعيد كتابة التاريخ؟

بواسطة azzaman

هل نُعيد كتابة التاريخ؟

العلاء صلاح عادل 

 

منذ ما يقرب من قرن، أثار الدكتور طه حسين عاصفة فكرية حين نشر كتابه “في الشعر الجاهلي”، محدثًا هزة غير مسبوقة في بنية الوعي العربي تجاه التراث. لم يتعامل حسين مع الشعر الجاهلي باعتباره ميراثًا ثقافيًا مقدّسًا، بل بوصفه وثيقة تاريخية قابلة للمساءلة والتحقيق.

 وفي خطوة جريئة، طرح سؤالًا ظلّ محفورًا في الذاكرة الثقافية: هل كل ما نُسب إلى الشعراء الجاهليين صحيح بالفعل؟ استخدم طه حسين منهج الشك العلمي، متأثرًا بالدراسات الغربية التي تربط النصوص بمصادرها وسياقاتها التاريخية، ورأى أن كثيرًا من الشعر لم يُنشد قبل الإسلام كما هو شائع، بل صيغ لاحقًا في عصور مختلفة لخدمة مصالح سياسية وقبلية ودينية، خاصة في زمن الصراعات الفكرية بين التيارات والقبائل، حين أصبحت القصيدة وثيقة إثبات للنفوذ أو الفخر أو الشرعية.

هذا الطرح فتح الباب أمام توجّه بحثي جديد لم يقف عند حدود الشعر، بل امتد إلى الرواية التاريخية ذاتها. فكما جرى توظيف الشعر أحيانًا لصناعة سرديات، قام بعض الباحثين لاحقًا بفحص عدد من الشخصيات والمرويات التاريخية والدينية التي لم توثقها المصادر المتقابلة أو لم يرد ذكرها إلا في مدونات متأخرة، معتبرين أن بعض هذه الشخصيات قد تكون نتاجًا لخيال الرواة أو لتضخيم السرد التاريخي أكثر من كونها حقائق ثابتة.

 لم يكن الهدف إنكار التراث أو مصادرة الإيمان الشعبي، بل المطالبة بقواعد علمية واضحة: الدليل قبل التسليم، والمصدر قبل التكرار.

الجدل لم يتوقف عند تشكيك أو إثبات، بل انقسمت المواقف بين من رأى في طه حسين تهديدًا للثوابت، ومن اعتبره محررًا للعقل العربي من سلطة الرواية غير المحققة. لكن حسين نفسه لخص موقفه حين قال إن هدفه ليس الهدم لأجل الهدم، وإنما الهدم من أجل البناء. فقد أراد أن يرسّخ فكرة أن العقل النقدي جزء من النهضة، وأن التراث القوي لا يخشى الفحص بل يزداد رسوخًا حين يُختبر.

اليوم، وبعد مرور عقود على ضجيج تلك المعركة الفكرية، لا يزال السؤال ذاته حيًا: هل نملك شجاعة إعادة قراءة ما ورثناه بنفس الروح التي دعا إليها طه حسين؟ بين الشعر والنصوص التاريخية وشخصيات تملأ الكتب ولا نجد لها أثرًا في المصادر الأولى، يبقى التحدي واحدًا: أن نقرأ بعقل لا بنسخ، وأن نفهم التاريخ كما كان، لا كما رُوي لنا. فالثقافة الحية لا تقوم على التقديس الأعمى، بل على القدرة الدائمة على السؤال.

 


مشاهدات 34
الكاتب العلاء صلاح عادل 
أضيف 2026/02/07 - 2:49 AM
آخر تحديث 2026/02/07 - 4:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 149 الشهر 4605 الكلي 13936249
الوقت الآن
السبت 2026/2/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير