الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحروب البحرية غير المتماثلة... إيران في مواجهة الولايات المتحدة الامريكية

بواسطة azzaman

الحروب البحرية غير المتماثلة... إيران في مواجهة الولايات المتحدة الامريكية

قتيبة آل غصيبة

 

أعتذر منذ البداية عن إطالة هذا المقال؛ لأن خطورة اللحظة التاريخية وتشابك مسارات الحرب الأمريكية – الإيرانية الوشيكة يفرضان تناولاً موسّعاً لا يحتمل الاختزال؛ لما تحمله هذه المواجهة المحتملة من نتائج وتداعيات إقليمية ودولية عميقة قد تعيد رسم خرائط النفوذ وتوازنات القوة في الشرق الأوسط والعالم.. والله المستعان..

تمثل الحروب البحرية غير المتماثلة نمطاً استراتيجياً متطوراً من أنماط الصراع العسكري، حيث تواجه قوة بحرية تقليدية ضخمة خصماً أقل قدرة تقنياً ولكنه يعتمد على أساليب غير تقليدية لتعويض الفجوة في القدرات، هذا النوع من الحروب ليس وليد اللحظة؛ بل له جذور عميقة في التاريخ البحري؛ لكنه اكتسب أهمية متزايدة مع التطور التكنولوجي وظهور تهديدات جديدة في البيئات البحرية المعقدة.

 

تقوم فلسفة الحرب البحرية غير المتماثلة على مبدأ أساسي؛مفاده: (أن الطرف الأضعف لا يسعى لمواجهة خصمه في معركة تقليدية حاسمة؛ بل يعمل على استنزافه من خلال تكتيكات متعددة تستغل نقاط ضعفه وتحيد تفوقه التقني، يشمل ذلك استخدام، قوارب سريعة صغيرة مسلحة بصواريخ مضادة للسفن؛ وألغام بحرية ذكية يصعب اكتشافها؛ وغواصات صغيرة وشبه مغمورة؛ وطائرات بدون طيار بحرية وجوية؛ وصواريخ كروز وباليستية مضادة للسفن تُطلق من البر؛ بالإضافة إلى عمليات سيبرانية تستهدف أنظمة الملاحة والاتصالات، والمبدأ الجوهري هنا هو "الضربة والاختفاء"؛ حيث تُنفذ هجمات سريعة ومفاجئة ثم ينسحب المهاجمون قبل أن يتمكن الخصم من الرد بفعالية.)

 

من المبادئ الأساسية الأخرى للحرب البحرية غير المتماثلة، استغلال الجغرافيا البحرية المعقدة؛ فالممرات الضيقة والمياه الساحلية الضحلة والجزر المتناثرة توفر مزايا كبيرة للطرف الأضعف الذي يعرف تضاريسها جيداً، كما تعتمد هذه الاستراتيجية على مبدأ التشتيت والخداع؛ بحيث تُستخدم أهداف وهمية وتكتيكات تضليل لإرباك أنظمة الرادار والاستشعار المتطورة للعدو، وان التكلفة المنخفضة للأسلحة المستخدمة مقارنة بتكلفة الدفاع ضدها تشكل عنصراً حاسماً؛ إذ أن صاروخاً يكلف عشرات الآلاف من الدولارات قد يُستخدم لاستهداف سفينة حربية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات؛ مما يخلق معادلة اقتصادية غير متوازنة لصالح المهاجم.

 

التاريخ البحري يزخر بتجارب متعددة للحروب البحرية غير المتماثلة التي تقدم دروساً مهمة، فخلال الحرب العالمية الثانية، استخدمت اليابان تكتيكات الكاميكازي (الطيارون الانتحاريون) في محاولة يائسة لمواجهة التفوق البحري الأمريكي الساحق؛ وعلى الرغم من فشلها الاستراتيجي النهائي؛ إلا أنها أحدثت خسائر ملموسة في الأرواح والمعدات. بعد أشهر من حرب حزيران ١٩٦٧؛ إذ نجحت القوات البحرية المصرية في تدمير المدمرة الإسرائيلية "إيلات" باستخدام صواريخ سوفيتة؛ مما شكل نقطة تحول في الحروب البحرية وأثبت فعالية الصواريخ المضادة للسفن التي تُطلق من قوارب صغيرة نسبياً، وكذلك الحرب بين إيران والعراق في الثمانينيات قدمت نموذجاً مبكراً لما يمكن أن تفعله التكتيكات غير المتماثلة في الخليج العربي؛ خلال "حرب الناقلات"؛ استخدمت كلتا الدولتين قوارب سريعة وطائرات لمهاجمة ناقلات النفط؛ مما أدى إلى تدويل الصراع وجلب القوات البحرية الأمريكية والدولية لحماية الملاحة، أعقبتها عملية "الدرع الثمين" التي شنتها البحرية الأمريكية عام 1988 ضد منصات نفطية إيرانية كانت رداً على وضع ألغام بحرية إيرانية أدت نظراً لتضرر السفينة الأمريكية "صامويل بي روبرتس"؛ فقد أظهرت هذه التجربة إمكانية قوة إقليمية متوسطة أن تخلق تحديات أمنية كبيرة حتى لأقوى أسطول بحري في العالم، وفي عام ٢٠٠٠ تم ضرب المدمرة الامريكية (كوول) في خليج عدن اليمني بزورق انتحاري أدى الى مقتل ١٧بحاراً  وعشرات الجرحى الامريكان وأضرار بالغة بالمدمرة، وكذلك قدمت جماعة الحوثي في اليمن منذ عام 2023 وحتى الآن نموذجاً واضحاً للحرب البحرية غير المتماثلة من خلال حملتها ضد السفن في البحر الأحمر وباب المندب؛ إذ استخدمت الجماعة مزيجاً من الصواريخ الباليستية والكروز المضادة للسفن والطائرات بدون طيار الانتحارية والقوارب المفخخة والألغام البحرية لاستهداف سفن تجارية وحربية؛ مما أجبر شركات الشحن الكبرى على تحويل مساراتها حول أفريقيا بتكاليف باهظة. هذه العمليات أثبتت، (أن جماعة مسلحة غير حكومية يمكنها تعطيل أحد أهم الممرات الملاحية العالمية رغم الوجود العسكري الأمريكي والغربي المكثف؛ مما يعكس التحديات الهائلة التي تواجهها القوات البحرية التقليدية في مواجهة هذا النمط من التهديدات.)

 

عند النظر إلى قدرات إيران على خوض حرب بحرية غير متماثلة ضد الولايات المتحدة، نجد أن طهران قد استثمرت عقوداً في تطوير استراتيجية دفاعية تقوم على هذا النمط تحديداً، فالجغرافيا تمنح إيران ميزة استراتيجية كبيرة؛ فهي تسيطر على الساحل الشمالي والشرقي بأكمله لمضيق هرمز؛ الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 21 ميلاً بحرياً (الميل البحري يعادل ١٨٥٢متر)؛ ويمر عبره حوالي ( ٢١)  مليون برميل من النفط يومياً؛ أي ما يقارب خُمس الإمداد العالمي، هذا الموقع يتيح لإيران نشر بطاريات صواريخ ساحلية ورادارات ومنصات إطلاق على طول الساحل والجزر الاستراتيجية التي تحتلها مثل قُشم وأراك  والجزر الإماراتية المحتلة.

 

إن القوة البحرية الإيرانية منقسمة بين البحرية النظامية التابعة للجيش؛ والقوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، البحرية النظامية تملك سفناً أكبر نسبياً وتركز على العمليات في المياه العميقة وبحر العرب وخليج عمان؛ بينما تختص القوة البحرية للحرس الثوري بالعمليات في الخليج العربي وتعتمد بشكل أساسي على التكتيكات غير المتماثلة، ويمتلك الحرس الثوري مئات القوارب السريعة من أنواع مختلفة؛ بعضها مسلح بصواريخ مضادة للسفن مثل "نور" و"قدير" الإيرانيين الصنع اللذين يستندان لتصميمات صينية،صيني؛ وبعضها الآخر مجهز بمدافع ثقيلة وقاذفات صواريخ غير موجهة ومدافع رشاشة، وتشكل الترسانة الصاروخية الإيرانية العمود الفقري لاستراتيجية الردع والهجوم، فقد طورت إيران صواريخ باليستية مضادة للسفن مثل "خليج فارس" و"هرمز" التي تزعم أنها قادرة على استهداف السفن المتحركة في البحر بدقة نسبية؛ وهو تطور تقني معقد لم تحققه سوى قلة من الدول، بالإضافة إلى ذلك؛ تملك إيران ترسانة واسعة من صواريخ كروز المضادة للسفن التي يمكن إطلاقها من منصات برية أو من قوارب أو من طائرات؛ مع مديات تتراوح بين عشرات إلى مئات الكيلومترات، وإن هذه الصواريخ يمكنها تهديد حاملات الطائرات والسفن الحربية الأمريكية من مسافات آمنة نسبياً، وكذلك فإن برنامج إيران للطائرات بدون طيار أصبح متقدماً بشكل ملحوظ، حيث طورت طهران أنواعاً متعددة من الطائرات الانتحارية وطائرات الاستطلاع والهجوم؛ بعضها بمديات تصل لمئات الكيلومترات؛ إذ تستطيع هذه الطائرات العمل بشكل سربي منسق؛ مما يخلق تحديات هائلة لأنظمة الدفاع الجوي حتى المتطورة، بالاضافة إلى الألغام البحرية التي تشكل سلاحاً آخر في الترسانة الإيرانية؛ إذ تملك طهران قدرات لإنتاج ونشر ألغام متطورة يصعب اكتشافها؛ قادرة على إغلاق الممرات الملاحية أو جعل عبورها محفوفاً بمخاطر جسيمة، كذلك استثمرت إيران في غواصات صغيرة من فئة "غدير" و"فاتح" المصممة للعمل في المياه الضحلة نسبياً للخليج؛ إضافة لغواصات شبه مغمورة يمكنها نقل قوات خاصة أو تنفيذ عمليات تخريبية، وأيضاً القدرات السيبرانية الإيرانية التي لا ينبغي الاستهانة بها؛ فقد أثبتت طهران على مدى السنوات الماضية قدرتها على شن هجمات سيبرانية معقدة ضد بنى تحتية حيوية وشركات كبرى؛ وفي سياق بحري يمكن استخدام هذه القدرات؛ لتعطيل أنظمة الملاحة والتشويش على الاتصالات أو حتى محاولة اختراق أنظمة السفن الحربية ذاتها، كما ان وجود شبكة الحلفاء والوكلاء الإقليميين لإيران تضيف بُعداً آخر، حيث يمكن لجماعات مثل الحوثيين في اليمن أو الميليشيات في العراق وسوريا أن تشن عمليات بالنيابة عن إيران، مما يوسع جغرافيا المواجهة ويعقد حسابات الردع والرد.

 

التكتيكات الإيرانية المحتملة في مواجهة بحرية مع الولايات المتحدة ستعتمد على مبدأ "الضربة الأولى المكثفة" يليها حرب استنزاف طويلة. في سيناريو النزاع، قد تبدأ إيران بإغلاق أو محاولة إغلاق مضيق هرمز من خلال نشر ألغام بحرية، وإطلاق صواريخ مضادة للسفن، وهجمات بالطائرات بدون طيار والقوارب السريعة ضد السفن التجارية والحربية. الهدف لن يكون بالضرورة تدمير الأسطول الأمريكي، وهو أمر شبه مستحيل، بل جعل المنطقة غير آمنة للملاحة وإجبار شركات التأمين على رفع الأسعار بشكل فلكي أو رفض تأمين السفن العابرة، مما يؤدي لتعطيل حركة النفط وارتفاع أسعاره بشكل كارثي للاقتصاد العالمي.

 

إن  إيران أكتسبت في حربها مع الكيان الصهيوني في حزيران  ٢٠٢٥ خبرة وأعادت   نشر أصولها العسكرية بشكل مشتت وخفي؛ مستفيدة من الجزر العديدة والتضاريس الساحلية المعقدة، وستعمد الى جعل  منصات إطلاق الصواريخ المتحركة تتنقل باستمرار لتجنب الاستهداف؛ والقوارب السريعة ستُخبأ في موانئ صيد ومراسي مدنية يصعب استهدافها دون خسائر في صفوف المدنيين؛ والطائرات بدون طيار ستُطلق من مواقع متعددة يصعب رصدها جميعاً؛ وقد تُستخدم تكتيكات "الهجوم السربي" حيث تُطلق عشرات الصواريخ والطائرات بدون طيار معاً من اتجاهات مختلفة لإرهاق منظومات الدفاع الجوي الأمريكية التي رغم تطورها فإن ذخيرتها محدودة ومكلفة جداً.

 

أما الولايات المتحدة فمن جانبها تملك قدرات بحرية هائلة تفوق بمراحل أي قوة أخرى في العالم، فالأسطول الخامس الأمريكي المتمركز في البحرين يشرف على منطقة الخليج؛ ويمكن تعزيزه بسرعة بحاملات طائرات إضافية وسفن حربية من أساطيل أخرى، حاملة الطائرات الأمريكية لنكولن وحدها تحمل قوة نارية وجوية تفوق معظم القوات الجوية في العالم مع طائرات "إف-18 سوبر هورنت" و"إف-35" قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف إيرانية؛ بالاضافة الى المدمرات والطرادات الأمريكية المجهزة بأنظمة "إيجيس" للدفاع الجوي وصواريخ "ستاندرد ميسايل" و"توماهوك" كروز، بينما الغواصات النووية الهجومية تحمل ترسانة ضخمة من الصواريخ والطوربيدات، فالقوات الجوية والصاروخية الأمريكية ستلعب دوراً حاسماً؛ حيث يمكن للقاذفات الاستراتيجية "بي-52" و"بي-2" و"بي-1" إطلاق موجات متكررة من الصواريخ ضد أهداف إيرانية من مسافات آمنة، بالاضافة الى القواعد الأمريكية في المنطقة؛ رغم كونها هدفاً محتملاً للصواريخ الإيرانية؛ فإنها توفر منصات لعمليات مستمرة، وبإسناد هذه القوات أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع؛ من أقمار صناعية وطائرات تجسس وطائرات بدون طيار متقدمة؛ ستوفر صورة شبه كاملة للساحة العملياتية؛ مما يسمح باستهداف دقيق  الإيرانية، لكن رغم هذا التفوق الهائل، إلا ان الولايات المتحدة تواجه تحديات جدية في سيناريو الحرب البحرية غير المتماثلة في الخليج، من خلال البيئة البحرية في الخليج العربي معقدة؛ فالمياه ضحلة نسبياً والحركة الملاحية التجارية كثيفة جداً؛ مما يصعب التمييز بين الأهداف العدائية والمدنية، وكذلك فإن القرب الجغرافي من إيران يعني أن السفن الأمريكية ستكون ضمن مدى معظم الأسلحة الإيرانية؛ بما في ذلك الصواريخ الباليستية والكروز والطائرات بدون طيار؛ وإن حماية حاملة الطائرات في هذه البيئة المحصورة أصعب بكثير من حمايتها في أعماق المحيطات؛ وقد تضطر البحرية الأمريكية لإبقاء حاملاتها في البحر العربي الأكثر أماناً؛ مما يقلل من فعالية طائراتها بسبب المسافة، وان التحدي الأكبر هو الاستنزاف الاقتصادي والعملياتي، فكل صاروخ أمريكي من طراز "ستاندرد ميسايل 6" يكلف أكثر من (٤) ملايين دولار؛ بينما طائرة بدون طيار إيرانية قد تكلف عشرات الآلاف فقط، فإذا أطلقت إيران عشرات أو مئات الصواريخ والطائرات بدون طيار يومياً؛ فإن أنظمة الدفاع الأمريكية ستستنزف ذخيرتها بسرعة؛ وإن توفير المزيد يتطلب وقتاً لأن الإنتاج محدود ونقل الذخائر من الولايات المتحدة يستغرق أسابيع؛ وحتى لو اعترضت أنظمة الدفاع الأمريكية 95% من التهديدات؛ فإن ال 5% المتبقية قد تحدث أضراراً جسيمة؛ وإصابة واحدة لحاملة طائرات أو مدمرة حديثة ستكون كارثة استراتيجية وإعلامية.

 

إن البعد الاقتصادي للمواجهة قد يكون الأكثر تأثيراً، فإغلاق أو حتى تعطيل جزئي لمضيق هرمز سيؤدي لارتفاع جنوني في أسعار النفط؛ ربما لأكثر من 200 دولار للبرميل؛ مما سيدفع الاقتصاد العالمي لركود عميق، وكذلك فإن  الدول الخليجية الحليفة لأمريكا ستتضرر اقتصادياً بشكل كبير؛ وبنيتها التحتية النفطية ومحطات تحلية المياه قد تكون أهدافاً للصواريخ الإيرانية، فالسعودية والإمارات رغم امتلاكهما قدرات دفاعية جوية متقدمة؛ إلا أن حمايتهما من هجمات صاروخية وبطائرات بدون طيار مكثفة ستكون تحدياً؛ كما أثبتت هجمات أرامكو عام 2019 والهجمات الحوثية المتكررة.

 

من المؤكد فإن إيران ذاتها ستدفع ثمناً باهظاً في أي مواجهة مباشرة، فالقوة العسكرية الأمريكية قادرة على تدمير معظم البنية التحتية العسكرية الإيرانية؛ من قواعد جوية ومنشآت صاروخية ومواقع بحرية؛ خلال أيام أو أسابيع، وإن الاقتصاد الإيراني المنهار أصلاً بسبب العقوبات سيزداد سوءا؛ والبنية التحتية المدنية من محطات كهرباء ومصافي ومنشآت صناعية قد تُستهدف أيضاً؛ والخسائر البشرية المدنية قد تكون كبيرة رغم محاولات الدقة الأمريكية؛ مما سيخلق أزمة إنسانية ويعزز الدعم الشعبي للنظام الإيراني من خلال تأجيج المشاعر القومية.

 

إن احتمالية تصعيد المواجهة لتشمل أسلحة نووية أو كيميائية محدودة جداً، رغم عدم  استبعادها كلياً، فإيران لا تملك رسمياً أسلحة نووية؛ لكن برنامجها النووي متقدم ويمكنها نظرياً إنتاج مادة انشطارية كافية لسلاح واحد خلال أسابيع قليلة بما يسمى ( القنبلة القذرة) إذا قررت ذلك، وإن استخدام أي سلاح نووي سيغير طبيعة الصراع كلياً ويؤدي لرد أمريكي ساحق قد يشمل أسلحة نووية تكتيكية أمريكية.

 

إن السيناريو الأكثر احتمالاً بين الطرفين هو مواجهة تقليدية لكنها شديدة العنف، والنتائج المحتملة لمواجهة بحرية بين إيران والولايات المتحدة في الخليج ليست بالأبيض والأسود، فمن الناحية العسكرية الصرفة، فإن التفوق الأمريكي واضح وساحق؛ والولايات المتحدة قادرة على تدمير القدرات العسكرية الإيرانية إلى حد كبير، لكن "الانتصار" في الحروب الحديثة ليس مجرد تدمير قدرات العدو العسكرية؛ بل تحقيق أهداف سياسية واستراتيجية بتكلفة مقبولة، وإن إيران قد لا تستطيع "هزيمة" الولايات المتحدة عسكرياً؛ لكنها قد تجعل "انتصار" واشنطن مكلفاً جداً اقتصادياً وسياسياً بحيث يُعتبر فشلاً استراتيجياً، وان الخسائر الأمريكية في الأرواح والمعدات؛ حتى لو كانت محدودة نسبياً؛ ستكون لها تأثيرات سياسية ضخمة داخل الولايات المتحدة؛ خاصة إذا استمر الصراع لأسابيع أو شهور دون حل واضح، وان فقدان مدمرة واحدة مع مئات البحارة سيكون صدمة للرأي العام الأمريكي، وكذلك فإن التكاليف الاقتصادية العالمية من ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد ستخلق ضغوطاً هائلة على الإدارة الأمريكية لوقف القتال، وقد يتردد حلفاء أمريكا الإقليميون  في الدعم الكامل خوفاً من الانتقام الإيراني؛ وقد تنشأ خلافات حول استخدام القواعد العسكرية في أراضيهم، وكذلك فإن احتمال توسع الصراع ليشمل جبهات أخرى عبر حلفاء إيران الإقليميين أمر وارد جداً، فحزب الله في لبنان والميليشيات في العراق الحوثيون في اليمن؛ قد يشنون عمليات ضد أهداف أمريكية وإسرائيلية وخليجية؛ مما يوسع جغرافيا الصراع ويعقد الموقف الاستراتيجي، وقد يستغل الكيان الصهيوني  الفرصة لتوجيه ضربات ضد أهداف منتخبة؛ مما يضيف بعداً آخر للصراع.

 

إن التداعيات الجيوسياسية طويلة المدى ستكون عميقة، فمواجهة عسكرية كبرى ستعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية، وقد تدفع دولاً لإعادة تقييم علاقاتها مع واشنطن أو طهران،فالصين وروسيا تقتربان من ساحة الصراع وتراقبان كيفية تعامل أمريكا مع مثل هذا الصراع؛ بعد الاعلان الايراني عن مناورات بحرية تشترك فيها القوات الصينية والروسية اعتبارا من ١شباط ٢٠٢٦، وستكون عندئذ  تداعيات محتملة على تايوان وأوكرانيا، وسيتعرض النظام الدولي القائم على القواعد  لمزيد من التآكل.

 

إن الاحتمال الأكثر واقعية ربما يكون مواجهة محدودة النطاق نسبياً، حيث تشن الولايات المتحدة ضربات دقيقة ضد أهداف عسكرية إيرانية محددة؛ بضربة سريعة وخاطفة، وترد إيران بعمليات محدودة ضد مصالح أمريكية وحليفة، مع محاولة الطرفين تجنب التصعيد الكامل، وستجنب الفريقان المواجهة الشاملة، لكن في سياق متوتر مع تحشدات عسكرية كبيرة؛ فإن احتمالية سوء التقدير أو الحسابات تؤدي لتصعيد غير مقصود تبقى مرتفعة، وإن العامل الزمني سيكون حاسم أيضاً، فإيران تراهن على أن الولايات المتحدة لا تملك الصبر الاستراتيجي لحرب استنزاف طويلة؛ خاصة مع تكاليفها الاقتصادية والسياسية، والتاريخ الأمريكي في العراق وأفغانستان يدعم هذا الافتراض إلى حد ما؛ حيث ان الولايات المتحدة انتصرت عسكرياً بسرعة لكنها عجزت عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية طويلة المدى، إلا ان المواجهة البحرية الامريكية الايرانية  في الخليج تختلف نوعياً عن حروب مكافحة التمرد البرية؛ إذ يمكن للقوة الجوية والبحرية الأمريكية الحفاظ على عمليات مكثفة لفترات طويلة دون تكبد خسائر كبيرة في الأرواح.

 

في النهاية، فالحرب البحرية غير المتماثلة ليست استراتيجية للانتصار التقليدي بقدر ما هي استراتيجية للبقاء والردع من خلال فرض تكاليف باهظة على الخصم الأقوى، وان إيران طورت هذه القدرات على مدى عقود تحديداً لهذا الغرض؛ ولديها القدرة على جعل أي مواجهة عسكرية مكلفة جداً حتى للولايات المتحدة، لكن هذا لا يعني أن طهران ستنجو دون أضرار كارثية،كارثي، فالثمن الذي ستدفعه إيران في أي مواجهة شاملة سيكون مدمراً لاقتصادها وبنيتها التحتية وربما لاستقرار النظام ذاته، الحكمة تقتضي أن يعمل الطرفان والمجتمع الدولي على تجنب مثل هذه المواجهة من خلال الدبلوماسية وتخفيف التصعيد، لأن نتائجها ستكون كارثية للجميع، سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي، وإن تاريخ الحروب البحرية غير المتماثلة كما في الحروب البرية غير المتماثلة؛ يعلمنا أن القوة العسكرية الساحقة وحدها لا تضمن النصر؛ وأن العزيمة والإبداع التكتيكي واستغلال الجغرافيا يمكن أن تعوض جزئياً الفجوة في القدرات، لكنها أيضاً تعلمنا أن الثمن يبقى باهظاً على الجميع.

والله المستعان...


مشاهدات 61
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/02/07 - 3:19 AM
آخر تحديث 2026/02/07 - 5:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 174 الشهر 4630 الكلي 13936274
الوقت الآن
السبت 2026/2/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير