البرنامج قبل التكليف: هل يملك العراق فرصة أخيرة لإعادة تعريف الحكم؟
دراسة تحليلية في مخرج سياسي يقوم على المساءلة لا التوافق
انتظار العظيمي
مقدمة
تمرّ العملية السياسية في العراق بمرحلة انسداد لا يمكن توصيفها بوصفها أزمة عابرة، بل بوصفها نتيجة تراكمية لنهجٍ حكم طويلاً بلا مشروع تنفيذي مُلزِم. وفي خضم هذا الواقع، يبرز مقترح تقديم برنامج حكومي متكامل قبل الشروع بعملية التكليف كخيار غير تقليدي، يسعى إلى نقل مركز الثقل من التوافقات السياسية إلى الالتزام العلني القابل للمحاسبة.
تهدف هذه الدراسة إلى قراءة هذا المقترح قراءة تحليلية، بوصفه مخرجًا محتملًا من المأزق القائم، لا بوصفه حلًا مثاليًا، بل باعتباره إطارًا مختلفًا لإدارة السلطة.
⸻
طبيعة المأزق السياسي القائم
تواجه القوى السياسية، وفي مقدمتها الإطار التنسيقي، معادلة بالغة التعقيد:
الاستمرار بالآليات التقليدية يعني مزيدًا من الاستنزاف الشعبي والسياسي، في حين أن التراجع دون بديل واضح يُفسَّر بوصفه عجزًا لا خيارًا مسؤولًا.
تكمن جذور هذا المأزق في الفصل المزمن بين السلطة والبرنامج، حيث جرى العرف السياسي على تقديم الأسماء أولًا، ثم البحث لاحقًا عن برامج لا تتجاوز غالبًا حدود الخطاب.
⸻
البرنامج قبل التكليف: تحول في منطق الحكم
يقترح هذا الطرح قلب المعادلة السائدة، عبر اشتراط وجود برنامج حكومي تنفيذي واضح قبل التكليف، يُعرض على القوى السياسية والرأي العام معًا. وبهذا، لا يعود التكليف استحقاقًا سياسيًا مجردًا، بل يصبح التزامًا علنيًا محدد الأهداف والمدة.
هذا التحول ينقل العملية السياسية من شرعية التوافق إلى شرعية الأداء المتوقع، ويجعل القبول أو الرفض موقفًا سياسيًا واضحًا أمام الجمهور، لا نتيجة تفاوض غير معلن.
⸻
آليات التنفيذ والمساءلة
من أبرز عناصر القوة في المقترح ربط البرنامج بآليات متابعة دقيقة، تشمل تحديد عمر الحكومة بأربع سنوات، وتنفيذ 25% من البرنامج سنويًا، مع مراجعات ربع سنوية داخل رئاسة الوزراء، واستضافات سنوية للوزراء في مجلس النواب وفق نسب الإنجاز الفعلية.
هذه الآليات، في حال تطبيقها، تمثل خروجًا حقيقيًا عن نمط المحاسبة الشكلية، وتؤسس لمسؤولية تنفيذية قابلة للقياس.
⸻
تفكيك المحاصصة عبر التخصص
ينطلق المقترح من تشخيص مباشر لإحدى علل الدولة العراقية، والمتمثلة في تغليب الانتماء الحزبي على الكفاءة المهنية، خصوصًا في ملف المستشارين والدرجات الخاصة.
الدعوة إلى إنهاء الحصص الحزبية في هذه المواقع، وتشكيل لجان استشارية غير حزبية لإدارة الأزمات، تمثل محاولة لإعادة الاعتبار للدولة المهنية، دون الدخول في صدامات سياسية مباشرة.
⸻
البعد الاقتصادي والاجتماعي
يركز المقترح على تخفيض الإنفاق الحكومي دون المساس بقوت المواطن، في ظل تصاعد الضغوط المعيشية الناتجة عن ارتفاع سعر الصرف وتعدد الرسوم. كما يدعو إلى أتمتة التعاملات المالية، وتفعيل المصارف الحكومية، وإنهاء دور الشركات الوسيطة التي شكلت عبئًا ماليًا مزمنًا.
في هذا السياق، يبرز دعم الإنتاج المحلي، ولا سيما في القطاع الزراعي، بوصفه مدخلًا لتقليل الاعتماد على الخارج وتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي.
⸻
القطاعات الخدمية والسيادية
يولي البرنامج أهمية خاصة للوزارات ذات التأثير المباشر في حياة المواطن، من خلال تحويل الزراعة إلى ملف سيادي فعلي، ومعالجة أزمة الكهرباء عبر التوجه المدعوم للطاقة النظيفة، وإعادة تعريف دور وزارة الخارجية بوصفها أداة لتحقيق مصالح ملموسة، لا مجرد منصة للتصريحات.
⸻
الرأي العام بوصفه طرفًا في المعادلة
يتميّز هذا الطرح بإشراك الرأي العام بوصفه شاهدًا على الالتزام السياسي، عبر عرض البرنامج علنًا وربطه بالإعلام والمتابعة. هذه الخطوة قد تسهم في إعادة بناء قدر من الثقة المفقودة بين المواطن والعملية السياسية، وتحويل الشارع من متلقٍ للنتائج إلى مراقب للمسار.
⸻
فرص التطبيق والتحديات الواقعية
لا يخلو المقترح من تحديات، أبرزها مقاومة شبكات المصالح المتضررة من إنهاء المحاصصة، وصعوبة التزام القوى السياسية بتقليص نفوذها داخل الجهاز التنفيذي. إلا أن استمرار الأزمة قد يكون أكثر كلفة من خوض هذا المسار، خصوصًا في ظل تآكل الشرعية الشعبية للنماذج التقليدية في الحكم.
⸻
خاتمة
لا يقدم هذا المقترح وصفة سحرية للخروج من الأزمة، لكنه يضع إطارًا مختلفًا لإدارة الدولة، يقوم على البرنامج، والالتزام، والمحاسبة. وفي لحظة سياسية حساسة كهذه، قد لا يكون هذا الخيار هو الأسهل، لكنه قد يكون الخيار الوحيد القادر على إعادة تعريف الحكم بوصفه مسؤولية أمام الشعب، لا مجرد تسوية بين القوى.