الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا لايُصاب حمار الوحش بالقرحة ؟

بواسطة azzaman

لماذا لايُصاب حمار الوحش بالقرحة ؟

علي حجارة

 

     يقول الحبيب للمحبوب ( على الأغلب الأعم وبلا ظروف قاهرة كغلاء طبقة البيض! ): "سأحارب الدنيا لأجل عينيك".. أو ربما: "سأفديك بنفسي إلى نهاية العمر"، الخ، من الكلمات التي تتبع المبالغة والتهويل، ولو سار الأمر بواقعية ولو كانت نية الحبيب واقعية لكان الأجدى به أن يقول: "سأحافظ على قولونكِ سليماً يا عمري!"، أو ربما من باب الإغراق في صدق النية، سيقول : "سأعالج كل طارئ يؤثر على جهازكِ العصبي يا حياتي!"، نعم لا تستغرب، فالأمراض العصبية الناتجة عن ارتفاع ضغط الدم والتدخين وعدم التحكم بالانفعال النفسي في وقتنا الراهن مع المجموعة غير المنتهية للأدوية التي ترتبط بها أصبحت أكثر شيوعاً من ندرتها، وحضورها الدائم يطغى على قلّتها، لاسيما في بلدٍ يُعدّ مواطنوه الأكثر عصبية في الوطن العربي، ويحتلون المركز الثاني على مستوى العالم، بحسب مؤشر غالوب لعام 2025، وبرأيي المتواضع (الهادئ) فالعراقيون لايحتاجون إلى تلك الإحصائيات لبيان مدى انفلات أعصابهم على أتفه الأمور، أدخل إلى أي دائرة حكومية مزدحمة، أو ركّز بتبعات اختلاف وجهات النظر ضمن حوارٍ عادي، وسترى أدلة كافية على أن هناك براكين راكدة في صدورنا تستعد دوماً للانفجار، أما نسبة الاكتئاب الذي تتبع ذلك وما يرتبط بها من الأمراض العصبية آنفة الذكر فحدّث ولاحرج.

في نهاية عام 2021 أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريراً يوضح بأن الإصابة بتبعات الغضب والتوتر والأمراض العصبية يتجاوز 43 بالمئة من سكان العالم، وهذه التبعات تقع في المركز الثاني ضمن الأسباب الرئيسة التي تؤدي للوفيات في العالم، وحتى يومنا هذا ولأسباب تتعلق بانخفاض التواصل الطبيعي بعيداً عن الشاشة وتدني مستوى جودة الطعام وزيادة التلوث وارتفاع معدلات الضغوط الاجتماعية، فإن الاضطرابات النفسية وعلى رأسها الغضب تتفاقم في شعوبنا التي تتعرض (فضلًا عمّا تم ذكره) إلى أسبابٍ أخرى، كارتفاع درجات الحرارة والوضع الاجتماعي المضطرب إثر الحروب والنزاعات، والغريب هنا أن الحل الوحيد أمام كل هذا الغضب المُنفلت (ربما)، والبراكين التي تنتظر من يوقظها، هو أن لانتوقع الكثير وأن لانتخيل سيناريوهات لم تحصل بعد، مع عدم حشر أنوفنا في كل ما لايعنينا، وأن لانهوى مقارنة حياتنا مع حياة الآخرين، إضافة إلى احتراف فن التجاوز وأسباب القناعة، إذ ليس من المهم أن تعرف كل شيء بقدر براعتك في مجال محدد، وليس الكمال حقيقياً أمام الواقعية المفيدة، ووفق هذا المبدأ يؤكد بروفيسور البيولوجيا وطب الجهاز العصبي في جامعة ستانفورد روبرت م. سابولسكي في كتابه غير المألوف (لماذا لا يصاب حمار الوحش بقرحة المعدة؟) بأن الكرب ومُسببات الغضب يُمكن تجاوزها بمعرفة عبقرية المقارنة بين الإنسان وحمار الوحش التي اختارها سابولسكي عنوانًا لكتابه، فعبر 16 فصلاً يمكن اختصار السبب الرئيس لكل الأفعال المُتشظية والانفعالات المبالغ بها والكرب المتضخم وفق مقارنة تؤول إلى أن الإجهاد لدى الحمار الوحشي هو استجابة بيولوجية لمواقف حياة أو موت (كالهروب من أسد)، وليست مبنية على خيالات لاترتبط بالواقع كما يفعل الإنسان، كما أن الخطر الذي يدعو للغضب أو الكرب هو نتاج الموقف الآني الذي يواجهه الحمار الوحشي من الخطر، فبعد ذلك يعود إلى الرعي والهدوء ولا يستمر في القلق من حدوث نفس الخطر لاحقاً دون دلائل واضحة، كما يفعل بنو البشر، إضافة إلى أن التفكير الزائد هو سببٌ آخر، فلا يحلل الحمار الوحشي بشكلٍ مبالغ به مواقفه الاجتماعية أو المستقبلية، مما يمنع تحول التوتر إلى غضب أو انفعال غير مدروس بعكس البشر الذين يتوترون في سياقات نفسية واجتماعية يومية ومستمرة، مما يسبب ضرراً جسدياً وعقلياً.

نعود هنا إلى الحبيب الذي بدأنا به المقال، فمن باب الواقعية ومحاولة تلطيف الجو ننصح بأن يُضيف إلى كلامه المعسول العبارة التالية " أنا الحبيب الذي لن يُريكِ أي علامة غضب " .. كما نؤكد له أيضاً بأن لا يشبّه نفسه بالحمار الوحشي من باب الواقعية المُطلقة !!.

 


مشاهدات 67
الكاتب علي حجارة
أضيف 2026/02/02 - 4:06 PM
آخر تحديث 2026/02/03 - 3:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 1632 الكلي 13933276
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير