إذا كان الإنسان غاية التنمية.. لماذا نعيد إنتاج الفشل في دولٍ نسيت المواطنة ؟
أسامة أبو شعير
خلال عام 2025، ومن خلال نحو ثلاثين مقالًا نُشرت في الصحافة، حاولتُ من موقع الكاتب والمراقب تفكيك المنطق الذي يُعيد إنتاج الأزمات، لا توصيفها فقط. لم تكن الكتابة عن السياسة بوصفها صراعًا، ولا عن الاقتصاد بوصفه أرقامًا، ولا عن التعليم بوصفه مناهج، بل عن الإنسان الذي تاه بين هذه العناوين جميعًا. هكذا تبلور هذا المسار بوصفه محاولة لفهم لماذا تفشل الدول، لا حين تفتقر إلى الموارد، بل حين تنسى أن الإنسان ليس أداة في معادلة، بل هو غايتها الأولى.
في مقال «حين تتحول الأرقام إلى أسلحة صامتة» ظهر مبكرًا هذا الخلل حين تتحول المؤشرات الاقتصادية من أدوات قياس إلى أدوات تبرير، ويُطلب من المواطن أن يصدق نموًا لا يلمسه، واستقرارًا لا يعيشه، ووظائف لا تصنع حياة. الأرقام هنا لا تكذب، لكنها حين تُفصل عن الإنسان تفقد معناها، وتتحول إلى لغة باردة لا ترى المجتمع الذي يُفترض أن تخدمه.ومن الاقتصاد إلى التعليم، بدا المسار أكثر وضوحًا. ففي «مأساة تعليم لا يرى إلا الاختبار» و**«جيل الشهادة المعلّقة»** و**«التعليم العالي… بوابة التمكين الاقتصادي»** لم يكن النقد موجّهًا إلى فكرة التقييم أو التوسّع التعليمي بحد ذاته، بل إلى فلسفة فصلت بين المعرفة والتنمية، وحوّلت التعليم، بما فيه التعليم العالي، إلى مسار شكلي لا ينتج تمكينًا حقيقيًا. تعليم يراكم شهادات أكثر مما يبني قدرات، ويخرّج أعدادًا أكبر دون أن يوسّع فرص القيمة المضافة في الاقتصاد، لا يمكنه إلا أن يُعيد إنتاج الفجوة بين المدرسة والجامعة وسوق العمل.
استبدال تقني
وفي هذا السياق، لم يُطرح التعليم بوصفه بنية فقط، بل بوصفه علاقة إنسانية. ففي مقال «المعلّم لا يُستبدل… لكن من يُنقذه من الظل؟» جرى تفكيك وهم الاستبدال التقني، والتنبيه إلى أن الأزمة لا تكمن في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في ترك المعلّم يعمل داخل نظام يُثقله بالإدارة، ويُفرغه من المعنى، ويطالبه بالنتائج دون أن يمنحه الثقة والأدوات. المعلّم ليس عنصرًا قابلًا للإحلال، بل ركيزة إنسانية لا تعمل إلا إذا أُعيد له الاعتبار والدور والكرامة المهنية.
ومع تعمّق المسار، اتضح أن المشكلة لا تقف عند السياسات أو القطاعات، بل تمتد إلى طريقة التفكير في الحل نفسه. ففي «أنظف قميص متسخ» جرى تفكيك منطق الاختيار بين بدائل جميعها مأزومة، حيث تُدار الأزمات بمنطق الترقيع لا الإصلاح، وبفكرة تقليل الخسائر السياسية لا بناء المسار الصحيح. في هذا النموذج لا يُسأل: ما الحل الأفضل؟ بل: ما الخيار الأقل كلفة الآن؟ وهكذا يتكرر الفشل بصيغ مختلفة، بينما يبقى الجوهر على حاله. ومن هنا لم يعد السؤال تعليميًا أو اقتصاديًا فقط، بل سؤال وعيٍ بالدرجة الأولى. ففي «هل آن الأوان لصناعة وعي جديد؟» طُرح بوضوح أن الأزمة الأعمق ليست في نقص المعلومات، بل في طبيعة الوعي الذي نُعيد إنتاجه: وعي سريع، مجزأ، استهلاكي، يستجيب للحدث ولا يبني موقفًا، ويتفاعل مع الأعراض دون أن يلامس الجذور، ولا يرى العلاقة بين التعليم والسياسة، ولا بين الاقتصاد والأخلاق، ولا بين الفرد والمجتمع.
ومن هذا المفصل، انتقل النقاش إلى سؤال الضمير. فجاءت «هل ما زال التعليم قادرًا على صناعة ضمير؟» لتؤكد أن الخلل الحقيقي يظهر حين تنفصل المعرفة عن القيمة. فالعلم حين يتحرر من الأخلاق يتحول إلى قوة عمياء، والتعليم حين يتخلى عن دوره في بناء الضمير يصبح مصنعًا للقدرات دون بوصلة. المدرسة والجامعة ليستا مجرد ناقلتي معرفة، بل الحاضنة الأولى للسؤال الأخلاقي: كيف أستخدم ما أعرف؟ وأين تقف حدود القوة؟
وحين انتقل النقاش إلى سوق العمل، لم يظهر الخلل مفاجئًا. ففي «كيف نولد قطاعًا خاصًا من رحم المدرسة» و**«الطالب يبني معنى لحياته»** تكرّر السؤال نفسه بصيغة أخرى: كيف نطلب من شاب أن يكون منتجًا ومبادرًا في اقتصاد لم تُصمَّم مؤسساته التعليمية أصلًا لتعلّمه المبادرة؟ الدولة التي لا ترى الإنسان إلا موظفًا محتملًا، لا يمكنها أن تبني اقتصادًا حيًا، بل جهازًا إداريًا يزداد تضخمًا مع الزمن.
مواطن ذكي
ثم بلغ المسار ذروته حين انتقل من سؤال الكفاءة إلى سؤال المواطنة. ففي «هل التعليم يبني المواطن الذكي… أم يكتفي بصناعة الـ99 بالمئة ؟» اتضح أن المشكلة ليست فقط في ضعف المهارات أو القيم، بل في الغاية التي صُمِّم النظام التعليمي من أجلها. المواطن الذكي لا يُقاس بدرجته في الامتحان، بل بقدرته على الفهم والمشاركة وتحمل المسؤولية والعيش بضمير داخل مجتمع متنوّع.
لكن الإشكال ليس تقنيًا فقط، بل ثقافيًا وسياسيًا. ففي مقالات تناولت غياب السردية الجامعة وتفكك المعنى الجمعي، ظهر أن أخطر ما تواجهه الدول ليس ضعف الموارد، بل تآكل الإطار الذي يربط الأفراد بعضهم ببعض. وحين تُدار السياسة بمنطق الخوف لا الثقة، تتحول التنمية إلى شعار مهما تضاعفت الموازنات.
ومع تسارع التحولات الرقمية، كما في «جيل اللمسة الواحدة» و**«الوعي الذي يُسرق من بين أيدينا»، يتسع السؤال بدل أن ينغلق.
فالتكنولوجيا التي تدخل نظامًا تعليميًا ضعيفًا لا تُصلحه، بل تكشف عمق اختلاله، وتُنتج وعيًا سريعًا لكنه هش، متصلًا لكنه غير متجذّر. وفي مقالات السياسة والاقتصاد الدولي، مثل «الحرب التجارية لم تعد أمريكية» و«عجز الإرادة الدولية»**، اتضح أن أزمات الداخل ليست منفصلة عن موقع الدول في العالم.
خاتمة: حصاد مرحلة لا مقالة عابرة
هذا المقال ليس خلاصة نص واحد، بل حصاد مسار فكري كُتب خلال عام 2025، في لحظة دقيقة من تاريخ العالم، عند نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين؛ لحظة تتكشّف فيها حدود النماذج القديمة، وتتراجع فيها القدرة على تأجيل الأسئلة الكبرى.
وإذا كان ثمة درس يتكرّر عبر هذه المقالات، فهو أن التنمية التي تنسى الإنسان محكومة بإعادة إنتاج الفشل، مهما تغيّرت أدواتها. أما حين يعود الإنسان إلى مركز المعادلة فعلًا لا شعارًا، تتحول التنمية من وعد مؤجّل إلى مسار قابل للتحقق، ويصبح النجاح نتيجة طبيعية… لا استثناءً عابرًا.
اقتصادي ومستشار دولي في التعليم والتنمية