الناقد الرصين بين ضجيج الهامش وأخلاق المعنى
عبدالكريم الحلو
رؤية تنويرية
في كل حقلٍ ثقافي :
لا سيّما في فضاءات النقد الأدبي والفكري،
يظهر صوتان متوازيان لا يلتقيان:
صوت المعنى،
وصوت الضجيج.
والفارق بينهما لا يُقاس بعلوّ النبرة،
بل بعمق الأثر.
الناقد الرصين :
هو الذي يدرك، منذ بداياته،
أن الضجيج لا يصنع حقيقة،
وأن الشتائم لا تُنتج موقفًا معرفيًا،
بل تكشف فراغًا في الحجة،
وعجزًا عن الدخول في منطقة التفكير.
فالإساءة، :
في جوهرها، ليست ردًّا نقديًا،
بل انسحاب غير معلن من ساحة الحوار.
بينما النقد :
بوصفه فعلًا معرفيًا، لا يقوم على ردود الأفعال،
بل على بناء الرؤية.
ولهذا،
فإن الناقد الحقيقي :
لا ينشغل بتقويم الأشخاص،
ولا بملاحقة النوايا،
بل بتفكيك النص، والسياق، والمنهج.
إنه يشتغل في منطقة أبعد من الانفعال،
حيث لا تُدار المعركة بالصوت العالي،
بل بالدقة والاتساق والقدرة على الإضاءة.
الفاشلون :
يصرخون لأنهم لم ينجحوا في بناء صوت معرفي خاص بهم.
والحاقدون :
يهاجمون لأنهم لم يحتملوا حضور المختلف الذي يهدد يقينهم الهش.
أما الحاسدون، :
فيقفون دائمًا أمام منجز الآخر كما لو أنه إدانة شخصية لنقصهم.
وفي كل هذه الحالات :
يكون الهجوم بديلاً عن العمل،
والشتيمة بديلاً عن البرهان.
بينما الناقد الرصين :
لا يردّ على هذا كله، لا من باب التعالي،
بل من باب الوعي بوظيفة النقد.
فهو يعلم أن الردّ على الضجيج يساويه،
وأن الدخول في سجالات شخصية يُفقد الخطاب صفته المعرفية.
لذلك يختار الاستمرار،
لا بوصفه تجاهلًا،
بل بوصفه موقفًا أخلاقيًا ومعرفيًا في آن واحد.
إن الرصانة النقدية :
لا تعني البرود،
ولا الانفصال عن الواقع،
بل تعني إدارة الاختلاف ضمن قواعد الفكر،
لا ضمن منطق التشهير.
وهي بهذا المعنى ليست ضعفًا،
بل قوة ضبط، وقوة وعي، وقوة ثقة بأن الزمن
لا ينحاز إلى الصراخ،
بل إلى ما يُنتج أثرًا قابلًا للبقاء.
في النهاية ، حسيبك للزمن :
الزمن :
لا يحتفظ بالضجيج، لأنه سريع التلف،
لكنه ينحاز للفكر المتماسك،
لأنه قابل للتداول والتراكم.
وحين يسقط الكلام الرخيص، يبقى الأثر،
لا لأن أحدًا دافع عنه،
بل لأنه كان جديرًا بالبقاء.
لذلك :
فإن طريق الناقد الحقيقي:
لا يتّسع للجميع.
إنه طريق ضيق،
يحتاج إلى صبر،
وإلى معرفة لماذا نسير،
لا فقط إلى أين نصل.
ومن يعرف سبب السير،
لا يلتفت إلى الخلف،
ولا يتوقف عند الهامش،
بل يمضي قُدمًا
لأن القيمة، في نهاية المطاف،
لا تحتاج إلى إذن،
ولا إلى تصفيق.
د. عبد الكريم الحلو
كاتب وناقد أدبي عراقي
#اشارةالجميع
#رؤيتي_النقدية
#مثقفون
#نقاد
#ادباء
#شعراء
#كتاب
#محبتي_للجميع