الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تصبح المحاصصة عقيدة سياسية

بواسطة azzaman

حين تصبح المحاصصة عقيدة سياسية

محمد حمزة الجبوري

 

ليس أخطر على الدول من الفشل بل من تحويله إلى حالة طبيعية تدار وتبرر وتسوق بوصفها “واقعاً لا مفر منه”  في المشهد السياسي العراقي لم تعد المحاصصة اختلالاً عابراً في نظام مأزوم  بل تحولت إلى نظام بحد ذاته له فلسفته ورجاله وآلياته وإعلامه وحتى لغته الخاصة؛ أما النفاق السياسي فلم يعد انحرافاً أخلاقياً؛ غدا مهارة أساسية للنجاة والبقاء داخل اللعبة؛ القوى المتصدرة للمشهد لا تتصارع على برامج ولا على تصورات دولة بل على الغنائم؛ الدولة تدار كأنها تركة ثقيلة بعد وفاة مشروعها الوطني؛ من يحصل على هذه الوزارة؟ من يسيطر على تلك الهيئة؟ من يضع يده على هذا الملف؟ كل شيء قابل للقسمة حتى السيادة حتى القرار حتى مفهوم الدولة نفسه في العلن خطاب مشبع بالمظلومية والشراكة والتمثيل؛ وفي الكواليس تخادم ومفاوضات باردة لا علاقة لها بالمواطن ولا بمصيره الجميع يتحدث بأسم الشعب ولا أحد يتصرف من أجله الكل يرفع شعار الإصلاح ولا أحد يقترب من جذوره كأن السياسة لم تعد أداة إدارة  بل حرفة توزيع

الأكثر فجاجة أن بعض من يتقمص دور “المعارض النزيه” ليس خارج هذه المنظومة  بل جزءاً منها لكنه حين يفشل في تأمين حصته ينسحب فجأة إلى موقع النقد  لا احتجاجاً على الفساد بل احتجاجاً على سوء توزيع الفساد انسحاب تكتيكي لا موقف أخلاقي صمت انتقامي لا مراجعة مبدئية؛ المحاصصة لا تنتج فقط دولة ضعيفة، بل تنتج مجتمعاً معاد التشكيل على مقاسها مواطن يتعلم أن الطريق إلى حقه يمر عبر الحزب  لا عبر القانون؛ أن الوظيفة تمنح بالولاء لا بالكفاءة  أن الفساد ليس جريمة بل أسلوب إدارة  هكذا تتحول الدولة من إطار للعدالة إلى شبكة مصالح ومن مؤسسة عامة إلى شركة حزبية كبرى أما النفاق السياسي فهو الغلاف الناعم لهذه البنية الصلبة خطابات عن دولة المؤسسات  ومؤتمرات عن مكافحة الفساد، وبيانات عن الإصلاح الشامل؛ ثم عند أول اختبار حقيقي يتبخر كل شيء ويبقى سؤال واحد فقط: من سيأخذ ؟ ومن سيدفع الثمن؟ ومن سيصمت مقابل وعد مؤجل؟

المأساة الأعمق أن النظام السياسي نفسه كافىء هذا السلوك طوال سنوات  لم يعاقب الكاذب لم يحاسب المساوم، لم يكافئ المنسحب بدافع أخلاقي في بيئة كهذه، يصبح النفاق ذكاء سياسيا وتصبح المحاصصة “واقعية” وينظر إلى الصدق بوصفه سذاجة لا تصلح للحكم  ؛ حين تتحول السياسة إلى سوق  لا يعود الوطن مشروعا، بل صفقة؛ وحين يصبح النفاق موقفا؛ لا يعود الصدق قيمة، بل عبئا عندها نفهم لماذا تتكرر الأزمات بلا نهاية؟ ولماذا يتبدل اللاعبون ويبقى النص ذاته؟ دولة معلقة بين محاصصة لا تشبع ومعارضة لا تجرؤ أن تنبس ببنت شفة في تبيان الحقيقة الكاملة بل تعيد تدوير الشعارات المملة.


مشاهدات 73
الكاتب محمد حمزة الجبوري
أضيف 2026/01/31 - 12:39 AM
آخر تحديث 2026/01/31 - 2:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 23524 الكلي 13930947
الوقت الآن
السبت 2026/1/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير