الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق تحت القصف الليلي.. خرائط النار فوق المدن

بواسطة azzaman

العراق تحت القصف الليلي.. خرائط النار فوق المدن

دعاء يوسف

 

منذ تصاعد المواجهة الإقليمية في مارس 2026، دخل العراق مرحلة مختلفة من الصراع، لم تعد تُقاس بالبيانات السياسية بل بعدد المقذوفات التي تعبر سماءه يوميًا. وفق تقديرات متقاطعة من تقارير أمنية ووسائل إعلام دولية، سُجّل أكثر من 280 إلى 300 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة داخل الأراضي العراقية خلال الأسابيع الأولى من التصعيد، مع تسجيل ذروة بلغت 30 إلى 31 هجومًا في يوم واحد. هذه الأرقام تعكس تحولًا واضحًا في طبيعة الاشتباك، من عمليات متفرقة إلى نمط شبه يومي عالي الكثافة.

التحليل الزمني للهجمات يشير إلى أن ما بين 65% إلى 70% من الضربات نُفذت خلال الفترة الممتدة من الساعة 11 مساءً حتى 4 فجرًا، وهي نافذة زمنية تُستخدم لتحقيق عنصر المفاجأة وتقليل فعالية أنظمة الرصد، في حين تتركز النسبة المتبقية خلال ساعات النهار على ضربات محدودة أو عمليات رد سريع. هذا التوزيع الزمني جعل الليل في المدن العراقية، خصوصًا بغداد وأربيل، يتحول إلى مساحة عمليات مفتوحة تُسمع فيها أصوات الاعتراضات الجوية بشكل شبه يومي.

جغرافيًا، تركزت الهجمات في ثلاث دوائر رئيسية. الدائرة الأولى بغداد، حيث تعرضت المنطقة الخضراء، التي تضم السفارة الأمريكية ومراكز حكومية، إلى سلسلة هجمات صاروخية ومسيّرة متعددة الاتجاهات، إضافة إلى محيط مطار بغداد الدولي وقاعدة فكتوريا. كما سُجل استهداف مواقع مدنية داخل العاصمة مثل فندق الرشيد ومناطق الكرادة والرضوانية، ما يعكس اتساع نطاق الضربات خارج الأهداف العسكرية التقليدية. الدائرة الثانية إقليم كردستان، وتحديدًا أربيل، حيث تكرر استهداف مطار أربيل الدولي ومنشآت طاقة استراتيجية مثل حقل كورمور الغازي، في مؤشر على انتقال الصراع إلى البنية التحتية الحيوية. أما الدائرة الثالثة فشملت مناطق متفرقة مثل كركوك والقائم، حيث نُفذت ضربات جوية استهدفت مواقع لفصائل مسلحة، إلى جانب العثور على طائرات مسيّرة غير منفجرة في محيط الموصل.

تُظهر طبيعة الأسلحة المستخدمة تحولًا نحو الاعتماد المكثف على الطائرات المسيّرة الانتحارية، خصوصًا نماذج منخفضة الكلفة طويلة المدى، إلى جانب صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى. في إحدى الحوادث الموثقة، تم إسقاط أربع طائرات مسيّرة قرب مطار بغداد دون تسجيل خسائر بشرية، وهو نمط يتكرر في عدة مواقع حيث تنجح أنظمة الدفاع الجوي أحيانًا في اعتراض الهجمات، لكن مع بقاء نسبة اختراق تؤدي إلى أضرار مادية متفاوتة.

الخسائر البشرية لا تزال محدودة نسبيًا داخل المدن الكبرى نتيجة الاعتراضات الجوية أو سقوط المقذوفات في مناطق مفتوحة، إلا أن الضربات التي استهدفت مواقع عسكرية أو فصائل مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى بالعشرات في بعض المناطق الغربية والشمالية. في المقابل، تبدو الخسائر المادية أكثر وضوحًا، حيث تضررت مبانٍ داخل المنطقة الخضراء ومنشآت دبلوماسية وفندقية، إضافة إلى تأثيرات مباشرة على قطاع الطاقة في إقليم كردستان، خصوصًا مع استهداف الحقول الغازية التي تُعد جزءًا من منظومة الإمداد الحيوي.

المؤشر الأخطر لا يكمن فقط في عدد الهجمات، بل في نمطها. تعدد الجهات المنفذة، وتنوع الأهداف بين عسكرية ومدنية، واستخدام أدوات منخفضة الكلفة عالية التأثير، كلها عناصر تشير إلى بيئة صراع مفتوحة يصعب احتواؤها تقليديًا. في هذا السياق، لم يعد العراق مجرد طرف متأثر، بل أصبح مسرحًا يوميًا لعمليات عسكرية غير معلنة، تُدار في الغالب خلال ساعات الليل، حيث تمر الصواريخ فوق المدن دون إنذار، وتترك أثرها في البنية التحتية، وفي إحساس السكان بالأمان.

النتيجة المباشرة لهذا النمط من الهجمات هي إعادة تعريف الزمن اليومي للعراقيين. الليل لم يعد وقتًا للراحة، بل فترة ذروة للتهديد، تُقاس فيها الساعات بعدد الانفجارات أو صفارات الإنذار، في حين يتحول الصباح إلى مساحة لتقييم الأضرار وإعادة ترتيب الحياة. بهذا المعنى، لم تعد الحرب حدثًا طارئًا، بل إيقاعًا يوميًا يتكرر، تُكتب فصوله في السماء قبل أن تظهر نتائجه على الأرض.


مشاهدات 52
الكاتب دعاء يوسف
أضيف 2026/03/18 - 7:59 PM
آخر تحديث 2026/03/18 - 9:15 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 801 الشهر 15720 الكلي 15007789
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير