الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بغداد .. حين تتحوّل إلى صندوق بريد للنار

بواسطة azzaman

بغداد .. حين تتحوّل إلى صندوق بريد للنار

موفــق البيـاتي

 

في هذا الشرق الذي امتلأ بالنار والدخان, لم تعد الرسائل تكتب بالاقلام، بل تكتب بالصواريخ، وحين يريد الكبار تبادل الرسائل فأنهم لا يطرقون ابواب بعضهم بعضا، بل يفتحون سماء بغداد ، وهكذا ببساطة مرعبة تتحول هذه المدينة العتيقة التي كانت يوما عاصمة الدنيا، الى صندوق بريد للحرب وهكذا صار العالم يكتب سياسته على خرائط المدن بالدم.

انها لغة جديدة في السياسة، دبلوماسية من نوع اخر هي دبلوماسية النار، فكلما دخل الصراع الجيوسياسي والعسكري بين طهران و واشنطن طور الاحتدام، تتجه البوصلة الى العراق، ليس لانه اعلن الحرب، بل لانه اصبح المكان الذي تسلم فيه الرسائل عندما يخشى الخصوم تسليمها مباشرة لبعضهم.

 ايران ترى في العراق عمقها الاستراتيجي وحديقتها الخلفية، والولايات المتحدة ترى فيه موقعا متقدما في قلب معادلة الشرق الاوسط، وبين هاتين الرؤيتين يقف العراق مثل ارض تتنازعها الالغام.

 لا احد يسأل العراق ان كان يريد هذه الحرب، ولا احد ينتظر موافقته فالرسائل تكتب والصواريخ ترسل و بغداد تتلقى، انها مأساة جغرافية قبل ان تكون مأساة سياسية، فالعراق يقع في قلب المنطقة وفي قلب الصراع ايضا، وكل من يريد ان يقول شيئا لخصمه ، يختار ان يقوله من فوق هذه الارض. وهكذا تتكرر المعادلة القاسية : صراع دولي و نفوذ اقليمي و دولة تحاول ان تبقى واقفة وسط العاصفة.

خطر الحروب

ان اخطر ما في هذا المشهد ليس القصف نفسه، بل اعتياد كرتنا الارضية عليه، ان يصبح الصاروخ خبرا عاديا، وان تتحول بغداد الى ممر للرسائل الصاروخية. فليس الخطر ما في الحروب انها تشتعل، بل ان تشتعل في ارض ليست طرفا فيها، وهذا بالضبط ما يحدث للعراق اليوم، فلقد استحال هذا البلد ساحة مفتوحة لحرب لا يملك قرارها، وميدانا لرسائل نارية بين قوتين لا تقاتلان على ارضها بل على ارض غيرها، وهذا هو قدر العراق اليوم، فهو لا يقاتل، لكنه يقصف ولا يعلن الحرب لكنه يعيش بداخلها.

وحين يتصاعد التوتر بين القوتين، واشنطن وربيبتها من جهة، وطهران من جهة اخرى، فأن الجبهات لا تشتعل في طهران او واشنطن فحسب بل في بغداد. و كأن العراق اصبح المساحة التي تختبر فيها الاعصاب، وترسل عبرها الرسائل العسكرية وتسدد فيها فواتير السياسة، فكلما يتبادل الطرفان التهديد والنار، تتساقط شضايا هذا التهديد وتلك النار فوق رأسه.

ايران وبحكم الجغرافية والتاريخ والنفوذ، تمسك بخيوط كثيرة داخل العراق، وتمد يدها عميقا داخل مشهده، انه ليس نفوذا عاديا بل شبكة تاثير تمتد من السياسة الى الارض الى الاقتصاد، نفوذ يشبه مقصا يعمل بصمت ويفصًل المشهد العراقي وفق مصالحه. وفي المقابل تقف واشنطن، القوة التي لاتزال قواعدها وجنودها واسلحتها حاضرة في العراق وهي ترد بطريقتها الخاصة. ضربات، رسائل عسكرية، تحذيرات وعقوبات، فتحول السماء العراقية الى صندوق بريد للصواريخ.

ميدان حرب

وهكذا فأن اسوأ ما يمكن ان يحدث لبلد ما هو ليس ان ينخرط في حرب، بل ان تتحول ارضه الى ميدان حرب لغيره، وهذا هو قدر العراق اليوم فهو لا يقاتل لكنه يقصف، وهو لايعلن الحرب لكنه يعيش بداخلها

و النتيجة دائما واحدة: ارض تهتز وسيادة تتآكل، و دولة تجد نفسها في قلب معركة لم تختارها وليست طرفا فيها.

ان الاشكالية الفادحة في هذا المشهد، ان هذا الوضع لم يعد حادثا عابرا، بل اصبح نمطا سياسيا ثابتا، فكلما اشتد الصراع بين واشنطن و طهران، كلما ارتفعت حرارة العراق، وكلما اقترب الطرفان من المواجهة اصبح العراق اقرب الى الاشتعال، وكأن القدر قد كتب على هذا البلد ان يبقى ساحة للرسائل العسكرية في الشرق الاوسط، صاروخ يطلق هنا ليترجم هناك، وغارة تنفذ هنا لتقرأ في مكان اخر.

والمأساة الاكبر تتمثل في ان العراق ليس بلدا ضعيفا بموارده ولا بتاريخه ولا برجاله ، ولكنه منهك بالانتقام السياسي والفئوي وبالصراع على السلطة، ولهذا يجد نفسه عاجزا عن رسم خط احمر حقيقي يمنع الاخرين من تحويله الى ساحة تصفية حسابات. حتى اصبح كل لاعب اقليمي او دولي يرى فيه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، و ذلك لان الدول التي تفقد توازنها الداخلي . تتحول وبسرعة الى خرائط نفوذ للاخرين.

قاض متقاعد


مشاهدات 49
الكاتب موفــق البيـاتي
أضيف 2026/03/14 - 1:12 AM
آخر تحديث 2026/03/14 - 2:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 11471 الكلي 15003540
الوقت الآن
السبت 2026/3/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير