الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أسفار آشور.. حين يغامر السرد بكسر شكله التقليدي


أسفار آشور.. حين يغامر السرد بكسر شكله التقليدي

أعداد

 فخري أمين - هدير الجبوري

 

بهدف تفكيك الأبعاد الدلالية والرمزية والنفسية الكامنة في المتن الروائي، والسعي إلى مقاربة آليات الاشتغال السردي في تجسيد التجربة الإنسانية داخله، تفرض رواية (أسفار آشور) للكاتب أحمد نجم   قراءة مستقلة لا تنفصل عن سياقها الزمني. قراءة تُعنى بتتبع طرائق تمثلها للتاريخ والأسطورة والحكاية، والكشف عن البنية التي تتداخل فيها مستويات التعبير، حيث تتعاقب أدوار اللغة مع وظائف الأسطورة والتاريخ والواقع، في نسيج سردي واحد متعدد الطبقات...

 بما أن اللغة تشكّل الوسيط الأسبق للفكر، كان لا بد من مراجعة طرائق الحكي وآليات تمثيلها، سواء في فعل العرض أو في فعل التلقي والقراءة. فالرواية لا تخلو من علامات ورموز وأنساق خفية، تنفلت من حدود الزمن الواقعي إلى فضاء المتخيل، ومن إطار الزمن التاريخي إلى بنية الزمن السردي..

الكلمة الأولى..

تتنفس الكتابة في الرواية من عمق رخام الجدران الآشورية في رحلة نحو الجذور الأولى للكلمة، وقت كان الطين والحجارة مادة الخلق والكتابة وليست مجرد مصادفة أن آدم نفسه خلق في أسطورة الخلق من طين، ربما آدم نفسه كان الكلمة الأولى، والكلمة كانت على الدوام هي التمثيل العميق والمتعالي لوجوده على الأرض، ومكوثه فيها.

 الزمن يُختصر أحياناً في لفظة، والقداسة تُحاط بحروف، والعشق يُقال بكلمة، حتى هذا الكون المترامي بلا حدود يمكن أن يُستدعى بلغة. في حضارة الرافدين لم يكن الطين والرخام مجرد مادة، بل ذاكرة حيّة

 ما زالت تحمل آثار الأيدي التي صنعتها، وأنفاس العصور التي عبرتها. هناك، تتحول المادة إلى حياة، ويغدو الزمن روحاً تمشي بين الأشياء..

 أنها مواد تتذكر، وفي الرواية تتكلم. كما تكتب العلامات على الطين، في شكل جمل قصيرة تحمل وراءها ظلا كبيرا، كذلك صياغة الجملة في رواية أسفار آشور، قصيرة، عميقة، مفعمة بالإيحاءات والإشارات.

إنها قصائد معاصرة مكتوبة بلغة متعالية، تحمل روح مزامير داؤود، وهواجس وإيقاعات أناشيد أنخيدونا الأكدية الشاعرة الأولى في التاريخ وتراتيلها التي كانت تؤدى في المعابد في طقس الصلاة.

 تحضر اللغة البصرية في الرواية بوصفها عنصرا أساسيا لا يمكن فصله عن بنيتها؛ فالصورة تتحول إلى حرف مسماري، والكلمة تتجسد في هيئة خطوط مسمارية واضحة. وقد تعمد المؤلف إدراج هذا البعد داخل النص لا على سبيل التزيين، بل باعتباره جزءا عضويا منه وامتدادا دلاليا يكمّل معناه

 

الكلمة الجسد..

والسؤال اليوم: هل تمتلك الكلمة المحفورة على حجر في جدار آشوري، أو المسجلة على رقيم طيني، أو المكتوبة على جلد غزال، القيمة المادية ذاتها للكلمة التي خطها قلم الحبر أو الرصاص على الورق، أو تلك التي تتجلى كضوء في زمن التكنولوجيا....

 أو حتى في غلبة الشفاهة والصورة على الكلمة المطبوعة، هل ثمة فرق في جسدية الكلمة ، ليس بمعنى ملموسيتها، إنما بقوة وسعة تأثيرها، وانتشارها، بين تلك المقروءة بصوت عال في المعابد الآشورية مثالا أو في الطقوس  والتراتيل الدينية، وما تنطوي عليه من سلطة على الأرواح والأجساد، أو في إلقاء القصائد العمودية التي تتلى في الصلوات،

 هل تتساوى مع الكلمة الهامسة عبر القراءات الصامتة..؟ تلك واحدة من أهم الأسئلة التي تستدعيها القراءة الأولى لرواية سفر آشور لأحمد نجم، إنها إحدى القضايا المضمرة بقوة في النص، خصوصا أن المؤلف صاحب دار للنشر، وعلى تماس يومي ومباشر مع الأزمة في سوق القراءة.  مسوغا استدعائها من حقيقة أن الكلمة الآشورية أو السومرية، تأخذ سورة رسوم، ومقاطع، ترتبط فيها المعاني في السياق، أي أنها ليست كلمة مستقلة ذات معان مجردة ومحددة. إنها محض رسوم تستمد قوتها وحضورها من فعل القراءة.

 إن سطوع حضورها المادي لا ينبع إلا من قدرتها على التماس مع الناس، ومن الأثر العميق الذي تتركه في وجدانهم خلال أداء الطقوس الدينية والتراتيل داخل المعابد العتيقة. أما الكلمة في زمننا الراهن، فلا سبيل لها إلى البقاء ولا إلى التحقق والتأثير والنهوض، ما لم تُبعث بفعل القراءة، تلك التي تشكّل العنوان الأبرز لأزمتنا الثقافية في اللحظة الحاضرة..

 

مغامرة سردية..

إن الخطاب السردي يجد تمثيله الناجع في هذه الرواية الجديدة كنمط خارج على معايير الكتابة الروائية، والقياسات الواقعية، وهي تتطلب إعادة نظر بآليات القراءة النقدية، عبر مقاربة مرجعياته وأسئلته وصيغته وإشكاليات تلقيه، والبحث عما يخفيه ذلك الخطاب ونسقه الحكائي أو التخيلي، من خلال ممارساته السردية، حيث يتبدى فيها التفكير المتعالي واللغة الشعرية، عبر منطوق السلطة الإلهية والدينية. وربما يجعل من الخطاب الروائي، مجالا للتسرب من التاريخ كزمن ماض إلى الحاضر كزمن سردي، بالقدر الذي يجعل الرواية تتفتح على ما هو مضمر. ويتبدى ذلك بقوة في ملحق اللوح الأخير، سيجد القاريء في الأزمة الشخصية التي يعيشها رامي وإلينا، وعامة الناس في البلاد، بسبب محو وتشويه الذاكرة العراقية ممثلة بالمتاحف، وفي تدهور الزمن السياسي في لحظتنا، بسبب تراجع الحس الوطني، وضعف الإنتماء إلى الأرض، قضايا تخصه، كموجه قرائي لواقع مأزوم، إن استدعاء رموز الحضارات القديمة، نوع من اللعب السردي يخدم فاعلية السرد وستراتيجية الرؤية السردية التي وظفها الكاتب في خطابه النقدي والإيقاظي. حيث لامس من خلالها المخفي والمتوازي في التاريخ والواقع بوصفهما مجالات تتسع لمغامرة السرد، واصطناع هوية جديدة تخفي كثيرا من هويته كإنسان مقموع..  

 

سفر آشور/ مقاطع...

باسم الكلمة التي كانت في البدء، والتي بها كانت المدن، وبها تحفظ الأمم من الزوال.. أنا هو آشور باني أبلي، كنت حجرا في قصر نينوى، وصرت حبرا في زمن الضياع، حملتني العصور كما يحمل النهر ذكرى أول مطر.. وصيتي الأولى: اجعل الكتب تابوت عهدك، والمكتبة معبدك، والقلم نبيك..وصيتي الثالثة: لا تعبدني بل تذكرني، لأني لست ربا، بل كاتبا، ومن يعبد الكاتب ينسى الكتاب.. أحبوا المدن بالكلمات، ولا تكتفوا بالبناء، فإن الجدران بلا ذاكرة تصير خرائب.. كل كتاب ينسى، يموت فيه نبي، ويولد غاز..

هذا كتاب الرحيل عن الغياب، لا يتكوّن من فصول مرتّبة، بل من عتبات مشرعة، لا يعبرها إلا من امتلك شجاعة الكتابة في مواجهة المحو، والبوح عمن ابتلعهم الصمت...

 أنا نابو ابن مردوك كاتب الألهة، أنا من جعلت الطين لغة، واللغة مصيراً..هذا هو سفر نابو، ليس وعدا بالخلاص، بل نداء للكتابة، ليس كتاب دين، بل دين كتب.. هذا هو آشور باني أبلي، كتب بخوف لئلا تموت نينوى في زمن لا يقرأ.. طوبى لنابو رب الكتابة، الذي لم يترك اللوح يسقط..

 في الليل حلمت الأرواح بنينوى وقد قامت، لم تكن مدينة، بل مكتبة من نور، جدرانها كلمات، وأبوابها تراتيل، تسكنها العذراء مريم أو عشتار، ولا ملك على عرشها بل ناسخ..


مشاهدات 72
أضيف 2026/01/21 - 3:54 PM
آخر تحديث 2026/01/22 - 10:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 327 الشهر 16703 الكلي 13524126
الوقت الآن
الخميس 2026/1/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير