زلزال الثامن والعشرين من شباط.. النظام العالمي يودّع حروب الظل
إعادة هندسة الكوكب بين عسكرة المضائق وموت معاهدات الردع
بغداد - الزمان
أفاقت منطقة الشرق الأوسط، والعالم بأسره، صبيحة الثامن والعشرين من شباط، على تحول جيوسياسي يقطع تماماً مع كل النظريات العسكرية والسياسية التي حكمت النصف الثاني من القرن العشرين. الضربة المفتوحة والمباشرة التي وجهتها واشنطن وتل أبيب للعمق الإيراني، تمثل إعلاناً رسمياً بوفاة مرحلة “إدارة الأزمات”، وانطلاق مرحلة “الحسم الصفري”. العالم يراقب اليوم لحظة تفكيك بنيوي لنظام إقليمي استمر لعقود، وإعادة تركيبه وفق معادلات قاسية تُكتب بالحديد، والنار، والمقصلة الاقتصادية.
قراءة تداعيات هذا الزلزال تتطلب مغادرة مربع التحليل العسكري الكلاسيكي، والانتقال نحو استشراف هندسة “اليوم التالي” لحرب أسقطت جميع الخطوط الحمراء. المعارك الحديثة تُحسم في أسواق المال، وممرات الطاقة، ومراكز اتخاذ القرار، قبل أن تُحسم في خنادق القتال.
تضع جريدة “الزمان” أمام قرائها ونخبها هذا التقرير الشامل، لتفكيك مسارات المستقبل، ورسم خريطة المآلات المتوقعة للمنطقة والعالم، بعيداً عن ضجيج اللحظة الانفعالية.
المحور الأول: نهاية “حروب الظل” وسقوط نظرية “الملاذات الآمنة”
ادارة الصراع
طوال السنوات الماضية، حكمت المنطقة قواعد اشتباك تعتمد على ستراتيجية “حروب الظل” والمواجهات بالوكالة. الدول الكبرى تجنبت الصدام المباشر، وأدارت صراعاتها عبر أذرع مسلحة، وساحات بديلة، وضربات سيبرانية صامتة. اليوم، انهارت هذه النظرية بالكامل، وتبخرت معها قواعد الاشتباك القديمة.
نحن نشهد ولادة مفهوم “حرب الانكشاف التام”. في هذا النوع من الحروب، تتساقط الحواجز الجغرافية والدبلوماسية، وتصبح المراكز السيادية، والبنى التحتية الحيوية، والمقرات القيادية العليا، أهدافاً مشروعة ومباشرة. الإدارة الأمريكية الجديدة، المحملة بعقيدة براغماتية خشنة، انتقلت من ستراتيجية “الاحتواء وتقليم الأظافر” إلى ستراتيجية “الاستهداف المباشر للرأس”. هذا التحول يعني إجبار جميع الفاعلين في المنطقة على الخروج من المناطق الرمادية المريحة، والوقوف في مساحات مكشوفة تفرض أثماناً باهظة لأي تحرك.سقوط نظرية “الملاذات الآمنة” يضع دول المنطقة أمام استحقاق وجودي صارم. فقدان القدرة على استخدام المصدات الجغرافية والوكلاء، يعني أن أية مواجهة قادمة ستصيب العصب الحيوي للدول مباشرة. الصراع تحول من تنافس على النفوذ الإقليمي، إلى صراع بقاء نقي، تفرض فيه القوة الغاشمة شروط الاستسلام أو إعادة الهيكلة الشاملة.
المحور الثاني: صدمة المراقبين.. ارتدادات الزلزال في موسكو وبكين
الرسالة التي حملتها صواريخ صبيحة الثامن والعشرين من شباط لم تقتصر على طهران، فقد وصلت أصداؤها المدوية فوراً إلى أروقة الكرملين ومقرات الحزب الشيوعي في بكين. العاصمتان تراقبان هذا التحول الستراتيجي بقلق بالغ وحسابات معقدة تتأرجح بين اقتناص الفرص وتجنب التهديدات الوجودية.
في موسكو، تنظر القيادة الروسية إلى هذا التصعيد المباشر بوصفه سيفاً ذا حدين. روسيا ترى في انغماس واشنطن في مستنقع الشرق الأوسط فرصة تكتيكية ذهبية لتخفيف الضغط الغربي عن جبهتها في أوكرانيا، وتشتيت التركيز العسكري والمالي لحلف شمال الأطلسي. في الوقت عينه، تخشى موسكو فقدان حليف ستراتيجي مهم في المنطقة، وتتوجس من احتمالية امتداد نيران الحرب لتشمل حقول الطاقة وممرات التصدير، مما يهدد استقرار أسواق النفط التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد الروسي المحاصر أصلاً بالعقوبات.
أما في بكين، فالصورة تبدو أكثر قتامة وتدعو للنفير الاقتصادي. الصين، بوصفها مصنع العالم والمستهلك الأكبر للطاقة، ترى في هذا الانفجار تهديداً مباشراً لمشروعها الكوني “الحزام والطريق”. تحول الشرق الأوسط إلى ساحة حرب مفتوحة يعرقل تدفق إمدادات الطاقة الآمنة إلى المصانع الصينية، ويرفع كلف الشحن والإنتاج إلى مستويات تضعف التنافسية الصينية. الإدارة الأمريكية، بهذه الضربة، أرسلت رسالة ردع استباقية للصين مفادها: واشنطن لا تزال تمتلك الإرادة والقدرة النيرانية الفائقة لخلط الأوراق في أي بقعة من العالم، وقادرة على حماية هيمنتها بالقوة الخشنة متى ما اقتضت الضرورة، وهي رسالة تُقرأ بوضوح في ملف تايوان وبحر الصين الجنوبي.
المحور الثالث: “عسكرة المضائق” وشلل شرايين الاقتصاد العالمي
علاقات تجارية
على الصعيد الكوني، أطلقت هذه الحرب رصاصة الرحمة على مفهوم “الأمن الاقتصادي العالمي المستقر”. العالم المترابط يجد نفسه اليوم أسير واقع جديد يُعرف بـ “اقتصاديات الخنادق”. الدول تعيد تقييم علاقاتها التجارية وتحولها إلى أدوات حرب علنية.
الممرات المائية الستراتيجية الممتدة من مضيق هرمز وصولاً إلى باب المندب وقناة السويس، والتي تمثل الشرايين التاجية للاقتصاد العالمي، تحولت في غضون ساعات إلى مناطق عسكرية عالية المخاطر. هذا التحول المرعب قفز بأسعار التأمين البحري إلى أرقام تعجيزية، وضاعف كلف النقل مرات عدة، وأربك إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية. النفط والغاز تخليا عن صفتيهما كثروات طبيعية، ليتحولا إلى أسلحة دمار شامل تُستخدم لتركيع الخصوم وخنق الاقتصادات المستهلكة.
أوروبا تقف في صدارة المتضررين من هذه العسكرة الجغرافية. القارة العجوز، التي تعاني أصلاً من أزمة طاقة هيكلية إثر الحرب الروسية الأوكرانية، تجد نفسها اليوم أمام “صدمة تضخمية مميتة”. إغلاق المضائق أو تقييد الملاحة يعني توقف المصانع، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتآكل سريع للطبقات الوسطى الأوروبية.
هذه الأزمات الاقتصادية ستتحول سريعاً إلى قنابل اجتماعية وسياسية موقوتة، تعزز من صعود اليمين المتطرف، وتهدد بتفكك التحالفات الأوروبية من الداخل.
المحور الرابع: موت “معاهدات الردع” وانطلاق سباق التسلح الصفري
النتيجة الأكثر رعباً واستدامة لزلزال شباط تتمثل في الانهيار التام للثقة بالمنظومة الدولية ومعاهدات الحد من التسلح. الدول الإقليمية المحورية (الخليجية، مصر، تركيا)، التي راقبت الحدث لحظة بلحظة، توصلت إلى قناعة ستراتيجية حاسمة وقاطعة: “من لا يملك قوة ردع ذاتية ساحقة وقادرة على الإيذاء المباشر، سيتم سحقه أو تهميشه بالكامل”.
سباق تسلح
هذه القناعة تؤسس لانطلاق “سباق تسلح صفري” غير مسبوق في تاريخ الشرق الأوسط. الحكومات ستوجه ميزانياتها التنموية نحو تسليح هجومي متطور، بعيداً عن عقيدة الدفاع التقليدي. سنشهد تسابقاً محموماً لامتلاك تكنولوجيا الصواريخ الفرط صوتية، وأسراب الطائرات المسيرة الانتحارية المتقدمة، وأنظمة الدفاع الجوي المدمجة بالذكاء الاصطناعي. والأخطر من ذلك، سيتصاعد الهمس الستراتيجي حول “الخيار النووي” كضمانة البقاء الوحيدة في غابة إقليمية سقطت فيها كل القوانين الدولية.
معاهدات عدم الانتشار والاتفاقيات الأمنية التقليدية فقدت قيمتها الورقية. الدول أدركت أن المظلات الأمنية الخارجية قابلة للطي في أية لحظة وفقاً للمصالح المتبدلة للقوى العظمى. الاعتماد الذاتي على بناء ترسانة رعب تضمن إحداث ضرر كارثي للخصم، أصبح العقيدة الجديدة التي ستحكم موازنات الدول وتحالفاتها في العقد القادم.
زمن الانتظار والمراقبة انتهى إلى غير رجعة. العالم يعيد تشكيل نفسه بوتيرة لاهثة ومدمية، والمنطقة تمر بأعنف عمليات القص واللصق الجيوسياسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الشرق الأوسط القديم مات رسمياً صبيحة الثامن والعشرين من شباط، ونحن نشهد اليوم ولادة “حرب باردة ثانية” تستخدم أدوات شديدة السخونة والانفجار.المرحلة الراهنة تفرز الدول والكيانات بلا رحمة.
البقاء سيكون حكراً على القوى القادرة على التكيف السريع، وامتلاك أدوات الردع الخشن، وتنويع مصادر اقتصادها بعيداً عن هشاشة الممرات المائية والمورد الواحد. النظام العالمي الموروث يتهاوى، والخريطة الجديدة تُكتب الآن بصواريخ عابرة للقارات، وأسواق مالية مسلحة، وقرارات تُتخذ على حافة الهاوية.