الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المؤرخون وأمانة اللحظة التاريخية

بواسطة azzaman

المؤرخون وأمانة اللحظة التاريخية

عباس النوري

 

في كل عصرٍ تمرّ الأمم بلحظاتٍ مفصلية، لحظاتٍ لا تكون مجرد أحداث عابرة في صفحات الأخبار، بل مفاصل حقيقية في تاريخ الشعوب. وما يجري اليوم في منطقتنا ليس حادثة عابرة، بل مرحلة سيقف عندها المؤرخون طويلًا. ولهذا فإن المسؤولية الأخلاقية والعلمية تقع على عاتقهم منذ الآن: أن يكتبوا التاريخ كما حدث، لا كما أرادته موازين القوة أو رغبات السياسة.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تخوض اليوم مواجهة مع قوى كبرى في النظام الدولي. وقد تختلف القراءات السياسية حول هذه المواجهة وأسبابها ونتائجها، لكن ما لا ينبغي أن يختلف عليه أحد هو ضرورة تسجيل الوقائع بصدق وأمانة. فالتاريخ ليس بيانًا سياسيًا، ولا وثيقة دعاية، بل شهادة للأجيال القادمة.على المؤرخين أن يدونوا بدقة من وقف مع من، ومن اختار الاصطفاف في هذه المواجهة، ومن التزم الحياد، ومن حاول التهدئة أو الوساطة. فهذه التفاصيل ليست مجرد معلومات عابرة، بل مفاتيح لفهم طبيعة النظام الدولي، وشبكة المصالح والتحالفات التي تحكم العالم.وعليهم أيضًا أن يكتبوا الأسباب كما طُرحت في الخطاب السياسي: الحديث عن البرنامج النووي، وعن الصواريخ، وعن موازين الردع في المنطقة. لكن الواجب العلمي يقتضي كذلك أن يتجاوز المؤرخ ظاهر الخطاب إلى تحليل أعمق: ما الذي تخشاه القوى الكبرى فعلًا؟ وما الذي يجعل بعض الدول ترى في قوة إقليمية معينة تهديدًا أو منافسًا؟إن التاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الحروب لم تُفهم حقيقتها إلا بعد عقود. فكم من صراعٍ قُدم لشعوبه تحت عناوين معينة، ثم اكتشف المؤرخون لاحقًا أن خلفه حسابات أوسع: صراع نفوذ، أو توازنات قوى، أو مخاوف من نموذج سياسي أو فكري مختلف.لهذا فإن الأمانة التاريخية تفرض على المؤرخين ألا يكتفوا برواية واحدة، وألا يسمحوا للمنتصر وحده أن يكتب القصة. فالتاريخ العادل هو الذي ينقل أصوات جميع الأطراف، ويعرض الوقائع كما هي، ثم يترك للأجيال القادمة أن تفهمها في سياقها الكامل.إننا اليوم شهود على هذا الزمن. نشهد أحداثه، ونعيش توتراته، ونرى انعكاساته على شعوب المنطقة والعالم. ولذلك فإن واجب الشهادة لا يقل أهمية عن واجب التدوين. فالتاريخ الذي يُكتب بصدق يحفظ ذاكرة الأمم، أما التاريخ الذي يُزوَّر فإنه يخلق أجيالًا تعيش على روايات ناقصة أو مشوهة.

بعد مئة عام سيقرأ أبناؤنا وأحفادنا ما كُتب عن هذه الأيام. وسيبحثون في الكتب عن الحقيقة: من قال ماذا؟ ومن فعل ماذا؟ ولماذا اندلعت هذه المواجهات؟

فليكن المؤرخون على قدر هذه المسؤولية.

وليكتبوا ما حدث كما حدث.

فالتاريخ أمانة، والذاكرة الإنسانية لا تستحق التزييف.

 

 

 

 


مشاهدات 102
الكاتب عباس النوري
أضيف 2026/03/08 - 3:18 PM
آخر تحديث 2026/03/09 - 10:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 381 الشهر 7619 الكلي 14999688
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير