الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 رياض الدليمي..  تخيّل الذاكرة البصرية مقاربة بين التراث والتقنية


 رياض الدليمي..  تخيّل الذاكرة البصرية مقاربة بين التراث والتقنية

علي نفنوف

 

تعد الكتابة عن مبدعٍ بهذا العمق تشبه محاولة الإمساك بالضوء؛ فكل ما أملكه حرفٌ خجول، يعرف أن النص الحقيقي كُتب قبلي بزمن .

رياض ابراهيم الدليمي يمثل نموذجا للفنان المعاصر الذي يتجاوز حدود الممارسة التشكيلية التقليدية لاسيما عندما تتسم تجربته الطويلة الجمع بين الفن والبحث والكتابة والنقد والشعر ضمن مشروع ثقافي متكامل ، فيجعل العمل البصري لديه فعلا معرفيا لا يقتصر على البعد الجمالي فحسب بل ينفتح على أسئلة الهوية والذاكرة والزمن في سياق بصري معاصر .

تقوم تجربة رياض الدليمي على اعادة قراءة الموروث الحضاري والتاريخي لبلاد الرافدين لا بوصفه ماده توثيقيه جامده بل بوصفه ذاكرة حيّة قابلة لإعادة التخييل واعادة التركيب ضمن فضاءات بصريه تتداخل فيها الواقعية مع الفنتازيا ، حيث تتحول الرموز الحضارية الى علامات بصرية مفتوحة الدلالة تنتمي الى الحاضر بقدر ما تستحضر الماضي .

شهد اسلوب ( الدليمي ) تحولات تدريجية عبر مساره الفني فانتقل خلالها من مقاربات تمثيلية تعبيرية للمكان والذاكرة الى تفكيك الصورة التراثية واعادة تركيبها داخل فضاءات تخيليّة وصولا الى لغة بصرية رقميّة (Digital visual language) تتسم بالتشظي اللوني وبناء المشهد الحلمي المركب ، فقد رافق هذه الديناميكية وعي نقدي بطبيعة الصورة المعاصرة ودور الفنان في اعادة انتاج المعنى (Reproduction of meaning ) لا في استنساخ الشكل .

تحتل الألوان موقعا بنيويا في تجربة ( رياض الدليمي) اِذ تعمل بوصفها أداة دلالية تعبيرية تشارك في بناء المعنى البصري وتحمل شحنات وجدانية تحيل الى الضوء الحضاري والذاكرة والزمن المتغير فتفتح أمام المتلقي فضاءات تأويلية تتجاوز التلقي السطحي للشكل .

تمثل التقنية الرقمية (Digital technology) في هذه التجربة وسيطا ابداعيا معاصرا يسمح بإعادة تركيب الصورة الفنية عند مقاربتها بين الواقع والمتخيّل فتوسع من امكانات التخييل دون أن تلغي الدور الانساني في صياغة الرؤية الجمالية، كما تسهم في توظيف التقنيات الرقمية والمونتاج البصري في بناء جسر تواصلي بين العمل الفني والمتلقي عبر اعادة تقديم المرجعيات الكلاسيكية بلغة بصرية معاصرة تتلاءم مع ذائقة المتلقي المتغيرة في زمن الصورة السريعة ، فيشي أن يحول التلقي من مشاهدة ساكنة الى تجربة حسيّة تفاعليّة .

تتقاطع تجربة ( الدليمي ) مع رؤى ( فيكتور فازاريلي ) (Victor Vasarely ) في رؤيته للفن البصري بوصفه فعلا يوّلد واقعا بصريا جديدا لا يكتفي بتمثيل الواقع باعتبار التقنية وسيطا ابداعيا شريكا في العملية الفنية لا نقيضا لها ، كما تلتقي التجربتان في بناء العمل الفني كنظام بصري مفتوح على التوليد والنشوء وفي منح المتلقي دورا فاعلا في صياغة المعنى ضمن تجربة بصرية معاصرة تستخدم الوسائط الرقمية لإعادة تركيب الذاكرة والخيال داخل خطاب فني جديد .

في هذا السياق يجري استحضار روح التجربة التعبيرية لدى ( فان كوخ ) (Van Gogh ) في توظيف اللون الأزرق بوصفه طاقة وجدانية تتجاوز الوصف الطبيعي للمنظر، فيغدو النهر حامل شعوري يختزن التوتر والحنين والحركة الداخلية للصورة ، وبالتوازي مع ذلك تتجلى في أعمال ( الدليمي ) الانطباعية كما تتعمق عند ( كلود مونيه ) (Claude Monet ) في معالجة الضوء واللحظة البصرية العابرة (Handling light and the fleeting visual moment ) فتظهر المشاهد وكأنها تتأرجح بين نزعة تعبيرية تحيل الى ( فان كوخ ) ونزعة انطباعية تتسق بشكل عفوي مع (مونيه ) ، بما يخلق تداخلا اسلوبيا واعيا يدخل فيه تاريخ الفن في حوار بصري مع الصورة المعاصرة .

( ألوان رياض الدليمي تستنهض سومر من جديد )

ينطلق هذا المنحى من وعي الفنان العميق بثقافة المكان وامتداداته الحضارية ، حيث يصرّ على اعادة احياء أمجاد الحضارات السومرية والبابلية ضمن خطاب بصري معاصر يعيد تقديم ( أثر سومر) في اهدائه الجديد من خلال اللغة اللونية والفضاء البصري اِذ يدرك أن الجيل الجديد يعيش مسافة نفسية وثقافية تجافي التاريخ القديم فيسعى لخلق جسور وصل واتصال بين هذا الجيل بذاكرته التاريخية الحضارية عبر لغة العين بوصفها الوسيط الأقرب للقلب والروح ، وبهذا يتحول دور الفنان من منتج للصورة الجمالية الى فاعل ثقافي يعيد بناء الذاكرة بصريا لا بوصفها توثيقا تاريخيا مباشرا بل بوصفها تجربة مرئيه حيّة قادرة على استدعاء الماضي داخل زمن معاصر .

يدرك ( رياض الدليمي ) تحولات ذائقة المتلقي المعاصر في زمن الوسائط الرقمية وتدفق الصور السريع لذلك يحرص على أن تكون أعماله مفتوحه على قراءات متعددة تجمع بين الجاذبية البصرية المباشرة والعمق الرمزي لمن يبحث عن بعد تأويلي أعمق ، وبذلك يمنح المتلقي سيرورة الانتقال من عنصر متلقٍ سلبي الى شريك في انتاج المعنى ضمن تجربة بصرية مفتوحة .

تمثل تجربة ( رياض الدليمي ) في مجملها مشروعا فنيا فكريا يعيد بناء العلاقة بين التراث والأثر والحداثة من جهة وبين الذاكرة والتقنية من جهة أخرى ضمن خطاب بصري معاصر يحافظ على البعد الانساني للفن ويواكب محمولات الذائقة البصرية في زمن الصورة الرقمية ، فيؤكد أن الفن لا يزال قادرا على اعادة انتاج المعنى وصياغته في قلب التحول التكنولوجي المتسارع .

.......................

رياض ابراهيم الدليمي

هو أديب وفنان وناقد بالفن التشكيلي.

له مؤلفات عديدة ومنها :

- دلالات اللون والتكوين في الخطاب الجمالي 

- قراءات في التشكيل – الفيض اللوني وغزارة المعنى .

 


مشاهدات 83
الكاتب علي نفنوف
أضيف 2026/03/07 - 2:14 PM
آخر تحديث 2026/03/08 - 1:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 88 الشهر 6455 الكلي 14960524
الوقت الآن
الأحد 2026/3/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير