هل تتفكّك الولايات المتحدة الأمريكية أو تنهار؟
صبحي ناظم توفيق
بعد العملية الخاطفة التي نفّذتها قوة «دلتا» الأمريكية الخاصة وخطفت الرئيس الفنزويللي «نيكولاس مادورو» ليلة 2/3 ك2 الجاري، والتي إستجلبت إنتقادات غاضبة من زعماء دول معادية للولايات المتحدة الأمريكية نحو رئيسها «دونالد ترامب» واصفين إياه بـ»المتهور والبلطجي» وغير الملتزم بالمواثيق الدولية، حتى وصلت الإنتقادات إلى ألسنة البعض من أعضاء الكونغرس الأمريكي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري وعدد من حكام الولايات الأمريكية، متهّمينَه بالخروج على القوانين الأمريكية التي تستوجب موافقة مجلسَي النواب والشيوخ قبل إتخاذ أمثال هذه الخطوات الستراتيجية الخطيرة التي ترقى لمستويات السياسات العليا للدولة.
تلك المواقف السلبية جعلت البعض من المحلّلين السياسيين والستراتيجيين وأصحاب القلم البارزين يرون أن مثل تلكم الإعتراضات تشير إلى رغبات تكمن في صدور مجتمعات عدد من الولايات الأمريكية بالإنفصال من الحكومة الإتحادية المركزية التي تتحكم بها وتدير شؤونها من العاصمة الإتحادية «واشنطن».
حرية صحافة
أما نحن فنرى أن مثل هذه التصورات تحمل في طيّاتها نوعاً من الواقعية النسبية، رغم كونها لطالح الولايات المتحدة دون صالحها، ولا غبار عليها وسط دولة هي الرابعة من حيث المساحة في عموم الكرة الأرضية، والتي يتمتع شعبها بحرية الصحافة ووسائل الإعلام المتنوعة وإبداء أخطر الآراء من صدر أي مواطن بسيط يسرد ما يدور في صميمه بالقلم واللسان بحماية القوانين السارية في جميع الولايات التي لم يتكامل عددها الـ50 إلاّ بإنضمام «جزر هاواي» لدولة الولايات المتحدة الأمريكية عام 1959.
وفي هذه المقالة الموجزة وددتُ قبل كل شيء أن أسوق المتابع الكريم إلى ما عرضه المؤرخ والفيلسوف التونسي- المغربي- الأندلسي الرائع «عبدالرحمن إبن خلدون» قبل وفاته في سنة 1406 م، والذي إعتبره المؤرخون والفلاسفة الذين برزوا من بعده ووصفوه بمثابة أول مؤرخ في التأريخ لم يسرد أحداثه ووقائعه بمجرد سماعها من هذا ونقلها عن ذاك، بل أنه أوّل من فَسّرها وربط بعضها بالبعض الآخر وعرض إستنتاجاته المترابطة التي لم يسبقه إليها أي مؤرخ على الإطلاق.
وأهمّ ما طرحه «إبن خلدون» عن عُمر الدول، وشبَّهه بعُمر الإنسان، في مقولته الخالدة: ]]]-الدول كالأشخاص، تنتقل في حياتها من سِنّ التَزَيُّد إلى سِنّ الوقوف، ثم إلى سِنّ الرجوع[[[.
وهذا ما إستشفّيناه من إطّلاعاتنا المتواضعة على مسار التأريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر، فجميع الدول -بما فيها الإمبراطوريات العظمى- نشأت صغيرة محدودة النفوس ضئيلة المساحة والمال والقدرات والإمكانات، ثم كبرت وإتّسعت وإنتشرت بقوة السلاح والمال والنفوذ وإستحوذت على أراضٍ ومياهٍ وبحارٍ مُتَّسِعة وغدت دولة كبرى أو أضحت إمبراطورية عظمى تتحكم بأرجاء شاسعة من الكرة الأرضية حتى بلغت القِمّة... ثم أمست تتراجع وتضعف وتضمحل أمام الأعداء والخصوم سواء جراء حروب أتت من الخارج، أو بثورات شعبية إنبثقت من الداخل، ولربما بتدخلات خارجية، قبل أن تنهار ويقضى عليها فتزول وتمسي من الماضي.
ولدينا في شؤون الدول العديد من الأمثلة القريبة والمعاصرة التي رأيناها أو سمعنا بها أو عايشناها في سنوات حياتنا بالقرن20، وبالأخص جراء الحربين العالميتين الأولى والثانية أو بعد إنتهائهما... والأمثلة عديدة، وكان على رأسها معاصرتنا لإنهيار الإتحاد السوفييتي العظيم وتفكّكه (1991)، في حين ينبغي أن لا نستغرب أن تحدث مثيلاته خلال عقود القرن21. إذن فإنهيار الدولة الأمريكية الإتحادية بالكامل، أو تفكّكها جميعاً أو إنفصال عدد من ولاياتها الـ50 عن سطوة «واشنطن» حتى من دون حرب يشنّها الأعداء عليها، ينبغي أن لا يكونا مستغرَبَين إن حدث، فهناك ولايات أمريكية متضجّرة من التحكّم المركزي السائد، وأخريات تحتوي مجتمعاً يؤمن بمذهب ديني أو مذهبي لا يتماشى مع الأكثرية، وهناك فرق ألوان البشرة والأصول القومية والعرقية، وهناك كذلك فوارق شاسعة بين أصحاب الأموال الهائلة الذين تتعاكس معهم معاناة آخرين من الفقر المتقع والبطالة وضَنَك العيش، وكلّها نقاط سلبية قد تمهّد للتفكّك وربما الإنهيار.
ولكن الذي يجعل إحتمالات الإنهيار أو التفكك بعيدة المنال في المستقبل القريب أو المنظور، نقاطٌ تُبْقي الرؤى غير المعادية أو المنحازة لأحد الخصوم لصالح إستمرارية دولة الولايات المتحدة الأمريكية العظمى بواقعها الراهن، والتي يمكن إجمالها بما يأتي:-
•الولايات المتحدة منذ بداية العقد الأخير من القرن20، ليست دولة عظمى فحسب، بل هي فوق العظمى، ولا يمكن مقارَنتها حتى مع روسيا الإتحادية التي تليها في العظمة، بواقع قواتها المسلّحة بصنوفها وقياداتها وقواعدها الضخمة المتمركزة في عموم العالم، وسيطرتها على معظم بقاع الكرة الأرضية من دون منافِس يُذكَر، وبالأخص بعد إنهيار خصمها الممثل بالإتحاد السوفييتي السابق، وعدم بلوغ خليفته «روسيا الإتحادية» مستويات لا تزال تتمتع بها أمريكا، وذلك ما حقّق لها سطوة مُرعٍبة على معظم مساحات جميع العالم المعاصر وبحاره ومحيطاته ومضائقه وممراته البحرية.
•أما إمكانتها الإقتصادية فحدّث ولا حَرَج، فموازنتها السنوية في العام الحالي 2026 بلغت 35 ترليون (35 ألف مليار دولار)، إذْ لا تقترب منها أية موازنة سنوية لأية دولة عظمى تليها والعُظمَيات الأخرَيات، مع التركيز على «روسيا الإتحادية العظمى» التي واقع موازنتها السنوية أقل من نصف ترليون، أي (500) مليار دولار فقط!!!!
•السطوة الأمريكية منذ أواخر القرن20 جعلت معظم دول العالم تتمنى صداقتها وتتقرّب إليها وتتزلّف لها وتحاول الإبتعاد عن غضبها وشرورها.
•فشل «روسيا العظمى» في إنهاء حربها على «أوكرايينا» ذات الحدود البرية والبحرية المشتركة معها وقدراتها المحدودة نسبياً، رغم إنقضاء 4 سنوات من القتال الضروس بينهما، وإضطرار «موسكو» لإقتناء أسلحة وإستيراد مرتزقة من دول غير مرغوبة، أظهرها بمثابة دولة لا تمتّ إلى العَظَمة بصلة، وضخّمت سمعة أمريكا وسطوتها، كونها تقف إلى جانب الدول الصديقة لها وتحميها.
وختاماً نقول أن تلك النقاط التي سطّرناها لصالح أمريكا.
لا يُشتَرَط معها إستحالة تفكّك ولاياتها المتحدة عن الدولة الأُم، سواء في حالة الرغبة أو جراء مواقف الحكومة الإتحادية تجاه الولايات المتضررة من سياسات «واشنطن»، وخصوصاً إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أن أدنى الولايات الأمريكية من حيث المساحة ربما هي أكثر إتساعاً إذا ما قارنّاها مع العديد من الدول الآوروبية،الأفريقية، الآسيوية وأمريكا الجنوبية.. وأن عدداً من الولايات الأمريكية تتمتّع بموازنة سنوية تبلغ أو تقترب من «ترليون» دولار للبعض من الولايات، أو تزيد على نصف هذا المبلغ الهائل... بمعنى أن موازنة كل منها تتعدى موازنات بضع عشرات من دول العالم ذات الدخل المتوسط، أن أية واحدة من هذه الولايات يمكن أن تصبح دولة مستقلة مرموقة قوية ومُهابة قبالة دول العالم المقتدرة في جميع المناحي الإقتصادية، العسكرية، السياسية، الثقافية، العلمية، التجارية، الزراعية والصناعية.
عميد ركن متقاعد دكتوراه في التأريخ