الروائية البريطانية فرجينيا وولف.. كنسوية: تأملات نقدية متوازنة
حميد عقبي
وُلدت الكاتبة البريطانية فرجينيا وولف (1882–1941) في قلب الطبقة الوسطى الإنجليزية المثقفة، ونشأت داخل تقاليد ثقافية صارمة وفّرت لها التعليم والكتاب واللغة، لكنها في الوقت نفسه كشفت لها مبكرًا حدود العالم الذي تنتمي إليه. من هذا التوتر بين الامتياز والإقصاء، بين الانتماء والاختناق، تشكّل مشروعها الأدبي والفكري، بوصفها كاتبة حداثية ومفكرة نسوية تسعى إلى إعادة النظر في شروط الكتابة والحياة معًا.
قدّمت نعومي بلاك، في كتابها قراءة فرجينيا وولف، قراءة دقيقة لنسوية وولف، بعيدًا عن التبجيل الذي حوّلها أحيانًا إلى أيقونة معصومة، وبعيدًا أيضًا عن التقليل من شأن إسهامها. ترى بلاك أن نص ثلاثة غينيات (1938) هو المفتاح الأوضح لفهم مشروع وولف النسوي. فهذا الكتاب لم يكتفِ بإدانة الحرب، بل ربطها بالبنية الأبوية للمجتمع، وكشف كيف تتغذّى الفاشية والعنف من التراتب داخل العائلة، والجامعة، والكنيسة، والدولة.
الحرب، في نظر وولف، لم تكن حدثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لنظام اجتماعي ذكوري يُقصي النساء ويعيد إنتاج السلطة.
غير أن نسوية وولف لم تنطلق من موقع تمثيل شامل لكل النساء. فقد كانت واعية تمامًا بانتمائها الطبقي، وكانت تخاطب أساسًا ما سمّته «بنات الرجال المتعلمين»، أي نساء الطبقة الوسطى والعليا. يومياتها ومراسلاتها تكشف غضبها من استبعاد النساء من مؤسسات النخبة، لكنها في الوقت نفسه تُظهر حدود هذا الغضب، إذ نادرًا ما امتد ليشمل العاملات، أو النساء الفقيرات، أو نساء المستعمرات. هذه المحدودية لا تلغي قيمة طرحها، لكنها تحدّد أفقه الاجتماعي والإنساني.
من المفارقات اللافتة أن وولف نفسها أبدت شكوكًا تجاه مصطلح «النسوية»، واعتبرته أحيانًا مصطلحًا فاسدًا أو مُسيئًا. لكن بلاك تفسّر هذا النفور باعتباره رفضًا للتعريف الضيق للنسوية، وليس رفضًا لجوهرها. فنسوية وولف لم تختزل في المطالبة بالحقوق القانونية، لكنها اتجهت نحو تصور أوسع للحياة، يقوم على تغيير القيم والعلاقات، وعلى تخيّل مجتمع أقل عنفًا وأكثر عدلًا.
نستنتج من تلك الأفكار، أن السلام يمكن أن يصبح قضية نسوية بامتياز. كانت وولف ترى أن الإقصاء التاريخي للنساء عن مراكز السلطة جعلَهن يمتلكن خبرة مختلفة يمكن أن تسهم في بناء عالم بديل. غير أن هذا الطرح قوبل في زمنه بنقد حاد، واتُّهمت وولف بالعاطفية والمبالغة.
ولكن مع صعود النسوية في النصف الثاني من القرن العشرين، أُعيد الاعتبار لهذا النص بوصفه قراءة مبكرة وجذرية لطبيعة السلطة.
حذّرت بلاك من اختزال نسوية وولف في رواياتها فقط. فالأدب عند وولف خضع لاعتبارات جمالية، وعبّر عن النسوية بالإيحاء أكثر من التصريح. أما نصوصها المقالية الكثيرة، فقد كشفت عن مشروعها الفكري بوضوح.
في المحصلة، تظهر فرجينيا وولف كنسوية حداثية ذات أثر عميق، لكنها أيضًا كاتبة ظلت محكومة بسياقها الطبقي والثقافي. قوتها تكمن في تفكيك السلطة الذكورية من الداخل، لكنها وضعت حدودًا لتجربتها وأفكارها في أنها لم تتجاوز بالكامل أفق التجربة الأوروبية البيضاء.
فرجينيا وولف في النجاح الأدبي
لم يظهر نضج فرجينيا وولف الأدبي دفعة واحدة، لكنه تدرّج عبر مراحل واضحة انتقلت فيها من الرواية التقليدية إلى التجريب الحداثي الكامل. بدأت مسيرتها بروايتها الأولى (الرحلة إلى الخارج، 1915)، وهي عمل ينتمي نسبيًا إلى الشكل الكلاسيكي، يركز على تجربة شابة إنجليزية في عالم جديد، مع إشارات مبكرة إلى وعي نسوي ونقد اجتماعي خافت. تبعته رواية (ليل ونهار، 1919)، التي واصلت البناء التقليدي للحبكة والشخصيات، لكنها كشفت عن بحث وولف عن صوتها الخاص داخل القالب السائد.
التحول الحقيقي جاء مع (غرفة يعقوب، 1922)، حيث بدأت وولف تفكك السرد الخطي وتستبدله بالغياب والانقطاعات، مقدّمة شخصية تُعرف من آثارها لا من حضورها المباشر. هنا بدأت تُعرف ككاتبة حداثية مجددة. بلغت هذه المرحلة ذروتها مع مسز دالاواي (مسز دالاواي، 1925)، رواية اليوم الواحد التي استخدمت تيار الوعي بمهارة، وربطت الحياة اليومية بآثار الحرب والذاكرة والهشاشة النفسية.
واصلت وولف صعودها الفني في (إلى المنارة، 1927)، أحد أقوى أعمالها، حيث عالجت الزمن والفقدان والعائلة بلغة شعرية وبناء مبتكر، ثم قدّمت عملًا مختلفًا (أورلاندو، 1928)، وهو سيرة تخييلية ساخرة عن الزمن والجندر والتحول.
في (الأمواج، 1931) بلغت ذروة التجريب، كونها تخلّت تقريبًا عن السرد التقليدي لصالح مونولوجات شعرية متعددة الأصوات. لاحقًا، مالت إلى معالجة اجتماعية أوسع في (السنون، 1937)، ثم قدّمت نصها النسوي والسياسي الأوضح في (ثلاثة جنيهات، 1938). واختتمت مسيرتها برواية (بين الفصول، 1941)، التي بدت كخلاصة رمزية لتجربتها ورؤيتها القلقة للعالم.
هذا صد مبسط ومختصر لتدرّج وولف من محاكاة الشكل الروائي إلى إعادة تعريفه، حيث نجحت في تثبيت مكانتها كإحدى أهم كاتبات الحداثة في القرن العشرين.
من محاكاة الشكل الروائي إلى إعادة تعريفه نسويًا وحداثيًا: بصمة فرجينيا وولف السردية
تميّزت فرجينيا وولف بانتقالها الحاسم من محاكاة الشكل الروائي السائد إلى إعادة تعريفه جذريًا، وغالبًا ما تُوصَف بأنها مجددة تقنية، لكن الأكثر دهشة أنها كاتبة سعت إلى التساؤل عمّا ينبغي أن تمثّله الرواية أصلًا. يمكن القول إن بصمتها الجينية داخل فن الرواية تتجلى في نقل مركز السرد من الحدث إلى الوعي، ومن الفعل الخارجي إلى التجربة الداخلية.
أبرز تقنياتها السردية هي تيار الوعي، لكنها لم تستخدمه كفيض ذهني فوضوي، بل كأداة دقيقة حاولت من خلالها رصد تداخل الزمن، والذاكرة، والانفعال اللحظي. نلاحظ أن الزمن عند وولف لم يكن خطيًا، فقد تفننت في جعله نفسيًّا، يتمدد وينكمش وفق إيقاع الإدراك، كما في مسز دالاواي وإلى المنارة. بهذه التقنية، نستنتج من ذلك أنها ربما من القلائل اللواتي نجحن في إلغاء أو كسر وتحجيم الفاصل الصارم بين الماضي والحاضر، إذ جعلت الذاكرة قوة فاعلة في تشكيل الحاضر.
تميّزت كذلك بتقنية الغياب السردي، يمكنكم ملاحظة أن شخصيات بُنيت من آثارها، من ما قيل عنها أو فُقد منها، لا من حضورها المباشر، كما في غرفة يعقوب. هذا الاختيار منح الرواية طابعًا تأمليًا، حيث يصبح الصمت والفجوة جزءًا من المعنى.
في تمثيل الشخصيات، ابتعدت وولف عن النماذج المكتملة نفسيًا أو أخلاقيًا، وقدّمت ذواتًا هشّة، مترددة، متشظية، خصوصًا الشخصيات النسائية. هذه الذوات لا تُعرَّف عبر أدوار اجتماعية ثابتة، بل عبر وعيها بذاتها وبالعالم، وهو ما منح كتابتها بعدًا نسويًا غير خطابي.
أما ثيماتها، فتدور حول الزمن، الفقدان، العزلة، والبحث عن معنى في عالم ما بعد الحرب. الطبيعة، الضوء، البيت، والمكان ليست خلفيات محايدة، بل عناصر شعورية تعبّر عن الحالة النفسية.
ما يميّز وولف عن غيرها هو شَعرنة الرواية دون تحويلها إلى قصيدة، وإيمانها بأن الرواية ليست مرآة للواقع، بل أداة لالتقاط ارتعاشاته الخفية. بهذه الرؤية، أسّست كتابة حداثية ونسوية أعادت تعريف ما يمكن أن تكونه الرواية، وكيف يمكن للصوت الداخلي أن يصبح حدثًا أدبيًا كاملًا مهمًا ومركزيًا.
ارتعاش الروح والضوء الأخير
إذا أردنا أن نقرأ خوف فرجينيا وولف الذي قادها إلى الانتحار، فربما قد لا نحتاج إلى يومياتها وحدها، ويمكننا أن نكتفي ونصغي إلى إحدى شخصياتها وهي تعبر الغرفة ببطء، أو تقف عند النافذة، أو تراقب الضوء الذي يتحرك على الجدار. في مسز دالاواي، مثلًا، تبدو كلاريسا وهي تستعد للحياة، لكنها في العمق كمن يُصغي إلى رعشتها، إلى ذلك الخيط الرفيع بين البهجة والانكسار. ونجد أن البيت يمثّل ذاكرة حيّة، تفرشه بالصمت، وتُضيئه بلمسات حزن عميق.
كانت وولف تخلق الأمكنة كما لو أنها تضع يدها على نبضها، الغرفة كأنها حالة ذهنية؛ الضوء كطمأنينة عابرة؛ والطبيعة أشبه بكائن يتنفس مع الشخصية. كما أننا نلاحظ قيمة البحر عندها، فهو يهمس ولا يبدو أنه قد يكون قبرًا يبتلع روحًا رقيقة، كل شيء يبدو وكأنه يرتجف: النفس، المكان، الزمن.
هذه الارتعاشات هي مفاتيح فهم خوفها. كأنها لم تكن تخشى الموت بقدر ما كانت تخشى الانهيار، ضياع القدرة على الإمساك بالكلمات، أو العودة إلى عتمة لا لغة فيها ولا خيال. الكتابة كانت حبل النجاة، لكنها كانت أيضًا تستنزفها. ومع الحرب، حين تكسّر العالم الخارجي، لم تعد اللغة كافية لترميم الداخل، وربما تذكّرت الذين رحلوا وكل خساراتها بسبب الموت.
انتحارها يجب أن يُقرأ كلحظة صمت أخير، حين اختارت الماء بدل الضجيج، والغياب بدل تكرار الألم. ومع ذلك، بقي أثرها مضيئًا، فالتأمل في رواياتها سيُشعر القارئ بأنه أمام كتابة لا تصرخ كثيرًا، رغم أنها تلتقط رجفة الروح، وتتركها مفتوحة أمامه. بهذه النعومة، بهذه الهشاشة، حاولت وولف، أو ربما تخيّلت، أنها قادرة على ترميم جزء من نقص العالم وقبحه، وبرغم ملاحظاتنا التي نؤكد عليها، حيث إن تجربتها وأفكارها لم تتجاوز بالكامل أفق التجربة الأوروبية البيضاء، ومع ذلك فقد تركت لنا ضوءًا يومض.
فرجينيا وولف
وُلدت أدلاين فرجينيا وولف عام 1882 في لندن، داخل أسرة برجوازية مثقفة أتاحت لها منذ الطفولة احتكاكًا مباشرًا بالكتب والفكر. كان والدها، ليزلي ستيفن، ناقدًا ومؤرخًا بارزًا، يمتلك مكتبة واسعة شكّلت أساس تكوينها الثقافي، فيما جاءت والدتها جوليا جاكسون من خلفية فنية واجتماعية أسهمت في صقل حسّها الجمالي المبكر. غير أن هذا الامتياز الثقافي تزامن مع هشاشة نفسية عميقة، سرعان ما تفاقمت بسبب سلسلة من الخسارات المبكرة، فقد توفيت الأم وهي في الثالثة عشرة، ثم الأخت غير الشقيقة ستيلا، وبعدها الأب، وأخيرًا الأخ المحبوب ثوبي. كل هذه الفجائع المتتالية تركت أثرًا نفسيًا بالغًا، وظهرت في كتاباتها حيث مثّلت هاجس الفقدان والغياب والزمن المتصدّع.
مع انتقالها إلى حي بلومزبري، انخرطت فرجينيا، إلى جانب شقيقتها الفنانة فانيسا بيل، في جماعة بلومزبري، وهي دائرة فكرية وفنية راديكالية ضمّت أسماء مثل ليتون ستراشي، روجر فراي، وجون ماينارد كينز. داخل هذا الوسط، تبلورت الكثير من أفكارها الحداثية والنقدية. عام 1912 تزوجت من ليونارد وولف، وفي 1917 أسّسا معًا دار هوغارث برس، التي لعبت دورًا محوريًا في نشر أعمال حداثية كبرى، منها الأرض الخراب للكاتب الشهير ت. س. إليوت، إضافة إلى ترجمات مبكرة لفرويد.
رغم هذا النشاط الفكري الخصب، ظلت وولف تعاني نوبات اكتئاب حادة. ومع اشتداد أهوال الحرب العالمية الثانية، زاد خوفها من انهيار نفسي جديد، وأنهت حياتها في مارس 1941، حين غرقت نفسها في نهر أوز، في نهاية مأساوية لمسار إبداعي استثنائي.