طائر الفلامنكو والمهاجرون
مصطفى عبيد دفاك
تتفرد طيور الفلامنجو بمشهد فريد تعرضه على مسرح الطبيعة لتمثل أملا يلوح في الأفق اذ تتراقص اجنحتها الوردية لتلمع فوق المياه الهادئة ،عند اصطفافها باسراب متناغمة وتشكيلات هندسية توحي بانضباط متوافق مع رغبتها برسم لوحة جميلة في السماء مغادرة لموطنها الاصلي باحثة عن الدفء والامان ليس لأنها فاقدة لولائها لذلك الوطن بل صراعا من اجل البقاء لتبقي على جنسها في هذا العالم الفسيح فتغادر محفوفة بالمخاطر لكنها مضطرة لذلك ولنستعير هذه الصورة الرمزية ونسقطها على هجرة الكفاءات او تهميشها وهي تغادر اوطانها ليس لقلة الحب والولاء بل بسبب الاهمال وانعدام البيئة المناسبة للازدهار ورغم ان هذه الظاهرة ليست حديثة لكنها صارت نزيفا للمجتمعات النامية او الخاضعة لاضطرابات سياسية واقتصادية ولو اجرينا مقارنة بين الهجرتين الفلامينجو والكفاءات لوجدنا ان الاولى هجرة طبيعية متوازنة لضمان ديمومة النظام البيئي بينما الثانية بسبب خلل في النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للوطن قتل الفلامينجو لا يختلف كثيرا عن تهميش واهمال المبدعين عالم او فنان فكلاهما قتل للجمال والابداع وكلاهما يمثلان فقدانا لشيء كان يمكن له ان يثري جمالا للجمال فرشاقة الفلامينجو تقترب من روعة الاستاذ الجامعي والفنان وكل مبدع وكلاهما يسعيان لخلق بيئة امنة جميلة وكلاهما يُستلَبُ منه حقه للعيش بأمان فالمسارات البعيدة عن اعتماد العقول في تشكيل الحكومات تشبه هجرة الفلامينكو بعيدا عن ضغوط البرد والصقيع.
يدفع الجاهلون بالكفاءات لمغادرة اعشاشها المنتجة المبدعة لشعورهم بخطر الكفاءة على وجودهم وشعورهم الدائم بالدونية إزائهم فيدعون الى اهمالهم الذي يبدأ من منظومة التعليم التي من بين مخرجاتها (عباقرة بلا فرص) لهيمنة البيروقراطية والروتين وصولا الى التقليل من قيمة وجودهم والدعوة لمساواتهم بمن دونهم واقل منهم علما فتأثير هجرة العقول ليس انيا بل هو يمتد للآتي من الزمن حيث تهاجر معهم القدوة والمعلم والمبتكر ليتولد فراغا ثقافيا وعلميا يسارع التفكير السطحي لملئه ولتظهر كائنات تتهجم عليها وتحاول قتلها او دفعها للهجرة من بقعة تحبها ولتلملم اشيائها وفكرها في حقيبة لتنعم بها بقعة اخرى على ارض اخرى فتربح ويخسر الوطن الام.