الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التغاير القومي والاثني واستخدام مصطلحات معبرة عنه .

بواسطة azzaman

التغاير القومي والاثني واستخدام مصطلحات معبرة عنه .

طورهان المفتي

 

من طبيعة جميع الكائنات الموجودة في الارض ان تكون هناك تغاير بين نفس  الكائنات من حيث حجم ومساحة التواجد اضافة إلى الاختلاف في الصفات الفيزيائية وحتى الكيماوية في بعض الاحيان ، بالتالي فان هذا التغاير الموجود ضمن نفس صنف الكائن المعين لا يجعل ممن يحمل صفة معينة فئة مهمشة او خاملة او غير مسيطرة ، وانما الذي يجعل هذه الصفات هي مدى قوة وسيطرة ونجاح الصفات البيولوجية للكائن المعين ، وعلى هذا الاساس مثلا اقرضت الديناصورات رغم حجمها العملاق وقوتها وسطوتها في مرحلة (الانقراض العظيم) في حين نجت كائنات اخرى من نفس صنف رغم عدم تمتعها بالحجم والقوة او الانتشار الواسع في كل مكان على الارض في تلك الفترة التي كانت تتمتع بها الديناصورات .

اذن فالكثرة العددية ليست صفة غالبة او صفة مميزة في البيئات الحياتية وليست معياراً على الأفضلية ، وان يكون الكائن اقل انتشاراً ونزارة عددية ليست انتقاصاً او دون حيلة  .

من هذا المنطلق دخلت كلمة الأقلية او النزرة في العلوم الطبيعية ،حيث دخلت فقط للتعريف على التواجد العددي او الكمي دون ان يكون لهذا التواجد تاثير على الفعالية ، فعلى سبيل المثال العناصر الكيميائية النزرة هي اكثر العناصر الكيميائية ذات الفعالية في ديمومة الحياة من ناحية دخولها في الغالب الأغلب من الاحتياجات اليومية للكائنات الحية بجانب بعض العناصر الرئيسة مثل الأوكسجين والكاربون وهكذا ….

 

الاستخدام السياسي لكلمة ( الأقلية الأقليات  )

سياسيا تم استخدام كلمة الأقلية اول مرة بصورة واضحة بعد الحرب العالمية الاولى وخاصة بعد  سنة ١٩١٩ حيث تم  استخدم مصطلح “الأقليات القومية” لأول مرة بشكل رسمي بعد توقيع معاهدة فرساي وتشكيل عصبة الأمم، وذلك بعد ان ظهرت الحاجة لحماية جماعات إثنية ودينية تعيش داخل دول جديدة تأسست بعد انهيار الإمبراطوريات (العثمانية، النمساوية-المجرية، الروسية).

توالت الفعاليات الدولية في هذا المجال حيث ظهرت اتفاقيات دولية وقوانين مختلفة  ذكرت فيها كلمة (الأقليات ) ، وصولاً إلى مرحلة الحرب العالمية الثانية وما بعدها في سنة ١٩٤٥    حيث دخل مصطلح ( الأقليات )  بقوة في القانون الدولي بعد تأسيس الأمم المتحدة و تم تبني مفهوم “حقوق الأقليات” ضمن إطار حقوق الإنسان  وستظهر فيما بعد  وثائق اخرى في هذا المضمار  مثل:

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (١٩٤٨).

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (١٩٦٦)،

إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية (١٩٩٢).

 

بعد التسعينيات من القرن الماضي ظهرت حركات مجتمعية وسياسية في الكثير من دول العالم تثقف باتجاه عدم استخدام كلمة ( الأقليات ) في ذكر القوميات والطوائف غير السائدة في مجتمعاتها لأنها تخلق جواً من الامتعاض والتقوقع وتمنع الاندماج المجتمعي لما لها من تأويلات تشير إلى التهميش أو إلى الانسياق العام والى عدم المشاركة في صنع القرار .

من هذا المنطلق ظهرت قوانين واتفاقات وتوصيات في الكثير من الدول تواجه بشدة استخدام كلمة ( الأقليات ) وكما هي في المملكة المتحدة  وكندا واوكرانيا وحتى الولايات المتحدة الاميركية .

ففي اذار من سنة ٢٠٠٧ صرحت  (لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري) أن لديها شكوكا بشأن استخدام هذا المصطلح ( الاقليات الظاهرة) لأن هذا المصطلح يمكن اعتباره كريها من قبل البعض وأوصت بإعادة النظر فى هذا المصطلح.

بالرجوع إلى الدساتير في الدول المختلفة فالكثير من الدول تجنبت استخدام كلمة ( الأقلية الأقليات ) في دساتيرها لما لهذه الكلمة من مردودات مجتمعية ونفسية سيئة حيث تجنبت دساتير مثل دستور  الولايات المتحدة ، فرنسا ، دنمارك ، إيطاليا ،ودستور راوندا والتي هي الدولة التي عانت الأمرين من القتال والحرب الاهلية لتنتهي بدستور يمنع مطلقا استخدام هكذا كلمات في دستورها  ، بالمقابل هناك دول مثل ألبانيا وكرواتيا  احتفظ دساتيرهم وباصرار بكلمة ( الأقلية ).

 

 ماذا لدينا في العراق .

بعد انهيار الدولة العثمانية ابان الحرب العالمية الاولى وتشكل العراق كمملكة ،

مر العراق من خلال دساتير مختلفة بعدة مراحل هي:

١- وضع العراق لنفسه اول دستور ( القانون الأساسي في العهد الملكي ) وذلك سنة ١٩٢٥ وخلت كليا من كلمة ( الأقليات  ) وتم استخدام كلمات مثل الاختلاف الديني او القومي ، مع الإشارة إلى القومية واللغة العربية.

٢- الحكم القاسمي ،تم إصدار قانون ( القانون الأساسي المؤقت ) بعد انقلاب سنة ١٩٥٨ . ركز هذا القانون بصورة رئيسة على المساواة بين العراقيين واستخدم كلمة ( حرية الممارسة ) مع ذكر القومية العربية والكردية.

٣- الحكم العارفي ،  تم إصدار دستور مؤقت ( القانون الأساسي) بعد انقلاب سنة ١٩٦٣ ، لم يذكر مصطلح ( الأقلية الأقليات) ، مع التأكيد على الهوية العربية.

٤- حكم البعث بعد انقلاب سنة ١٩٦٨ ، تم إصدار دستور مؤقت مقتضب أكد وركز على الهوية العربية فقط للعراق وتجاهل بقية المكونات ولم يذكر كلمة (الأقلية الأقليات ) ، لعدم اعتراف البعث أساساً بوجود مكونات غير العربية في العراق .

٥حكم البعث تم إصدار دستور مؤقت آخر سنة ١٩٧٠ ، ليتم ذكر العرب والكورد وليدخل كلمة ( الأقليات ) في الدستور والتداول السياسي في العراق لأول مرة تحت ( بند  ب) ضمن المادة الخامسة ما نصها ( يتكون الشعب العراقي من قوميتين رئيسيتين ، هما القومية العربية والقومية الكردية ، ويقر هذا الدستور حقوق الشعب الكردي القومية والحقوق المشروعة < للأقليات> كافة ضمن الوحدة العراقية ).

٦- بعد التغيير سنة ٢٠٠٣  . لم يرد كلمة ( الأقلية الأقليات) وتم استخدام كلمة المكونات للتعبير عن التغاير القومي والإثني في العراق .

٧- الدستور الدائم للعراق سنة ٢٠٠٥ . أصر الدستور العراقي على المساواة بالتالي تم الذكر والتركيز على كلمة المكونات والحقوق الخاصة بهم ولم يتم ذكر كلمة ( الأقلية الأقليات ).

مما ذكر أعلاه فان العراق منذ تاسيسه تجنب لدواعي مجتمعية وسياسية ووحدوية استخدام كلمة ( الأقلية الأقليات ) لحين ظهور بطش النظام البعثي الراديكالي الشوفيني ، والذي عمل على تهميش فئات المجتمع العراقي المختلفة ليتمكن من السيطرة على مقدرات البلاد .

ان الدستور العراقي الحالي بهذه الاعتبارية لمكونات العراق يكون بمحاذاة الدساتير الناضجة التي أعطت اعتبارات نفسية ومجتمعية للفئات المختلفة من الشعب العراقي ولم يجعل منهم مواطنين مختلفي الدرجات تبعاً لتواجدهم العددي .

ومن هذا المنطلق لابد من ان تكون هناك دعوات وتثقيف يوازي هذا الدستور واهمية العراق منذ تاسيسه والى الان  وان يتم تجنب استخدام كلمة ( الأقلية الأقليات ) في الخطاب الوطني ، والعمل على روح الدمج للفئات المختلفة للمجتمع العراقي في عراق واعد يشارك فيه الجميع في بناء عراق بمستقبل زاهر .


مشاهدات 120
الكاتب طورهان المفتي
أضيف 2025/08/30 - 2:49 AM
آخر تحديث 2025/08/30 - 8:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 280 الشهر 21557 الكلي 11416643
الوقت الآن
السبت 2025/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير