الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من سجل تحرير الجزائر وطرد الغزاة؟

بواسطة azzaman

من سجل تحرير الجزائر وطرد الغزاة؟

الفنك الذي أسال العرق البارد للفرنسيين

 

سليم آيث صافي

اندلعت حرب التّحرير، في الجزائر، عام 1954. وعندما بلغت عامها الرّابع دخلت في حالة حرجة، عقب ظهور لاعب جديد في المشهد، نقصد منه محمّد بلونيس (الذي عارض جبهة التحرير الوطني)، وأسّس ما أطلق عليه «جيش الشعب الجزائري»، وهي وحدة عسكرية تحارب الفرنسيين – في الظّاهر – لكنها في الخفاء في توافق معهم، والغاية من عمل بلونيس هو تحييد جبهة التحرير من المشهد، وأن يصير النّاطق الوحيد باسم القضية الجزائرية. هكذا وجدت جبهة التحرير نفسها في مأزق، وصارت تحارب على الجبهتين، من جهة الفرنسيين ومن جهة أخرى جيش بلونيس. كانت 1958 من أكثر السنوات حرجًا في تاريخ حرب التحرير. كما إن النّاس العاديين، في المدن أو في القرى، لم يفهموا ماذا يجري، وإلى أي صفّ ينظمّون.

وفي الأثناء سوف يظهر شاب لم يكن معروفًا، ولم يتمّ العشرين من عمره. يدعى: الخطيب خطيبي. وُلد وتربّى في عائلة فقيرة، من بلدة بوسعادة التي تبعد مسير خمس ساعات بالسيارة جنوب عاصمة البلاد. ومثل غيره ممن كانوا في سنّه فقد سمع عن معارك جبهة التحرير وحاجتها إلى إسناد، ومن غير أن يفكّر في القدر الذي ينتظره قرّر الانخراط في صفوفها. لم يكن الخيار سهلًا بالنسبة إلى شاب في مثل سنّه. كان بوسعه أن يفكّر في مستقبل آخر له، أن يفكر في العمل أو في هجرة إلى فرنسا، لكنه رضي بالقرار الأكثر حرجًا. تلقى تدريبًا عسكريًا، ولم يستقرّ في بلدة المنشأ، بل أُرسل إلى فيلق ينشط في غرب البلاد. واشترك في معارك، لم تكن له معرفة سابقة بها، لكنّه خرج من الناجين، بفضل فطنته وسرعته في التّحرّك.

راي عام

ففي ذلك العام كذلك كانت فرنسا قد سخرت كلّ ما أوتيت من إمكانات من أجل إخماد حرب الجزائر (ولم تكن في تقاريرها تذكر كلمة حرب، بل تسميها: أحداث الجزائر. قصد التخفيف من وطأتها في نظر الرأي العام في فرنسا). بل سخرت كلّ ما تتوافر عليه من جنود إحتياط وأرسلتهم إلى الجزائر، من غير أن نكرر ما توافرت عليه من حربية جوية وكذلك من عتاد في جيش المشاة. إذن دخل الخطيب خطيبي في حرب – ظاهريًا كانت خاسرة – لكنه مثل غيره، يعلم أن من يفرّ من حرب فسوف تهون قيمته إزاء النّاس. آمن بخيار المواجهة وتبنّى خطاب التّحرّر، وهو يعلم أن ممن سبقوه أن الممكن أن يفقد حياته أو يخرج من معاركها بعطب في الجسد.

وفي الصّور النادرة التي نعرفها عن هذا الشاب، في سنته الأولى من الحرب، يظهر بجسد نحيف وشارب غير محلوق، وعينين لامعتين، مثل فنك يطوف بين رمال الصحراء. فقد طاف الخطيب خطيبي بين رمال الصحراء كذلك، وانضم إلى فيلق تحت قيادة العقيد لطفي. ولم يكن الخطيب من جنود الخلف، أو ممن يقبعون وراء خطوط القتال، بل إن سنّه وتأهيله البدني ألزما عليه أن يكون في الصفوف الأولى، أن يخوض معارك في الحدود الغربية من البلاد، بما تقتضيه من فرضيات مأساوية، كأن يُلقى القبض عليه أو يستشهد برصاصة أو قذيفة. ويتذكّر تلك السنوات، كما حكاها لابنه إسحاق قائلا: «».

لكن اللحظة الأكثر إيلامًا في سنوات الحرب التي خاضها الخطيب خطيبي هي معركة جبل أمزي عام 1960. وجبل أمزي يقع في بلدة عين الصفراء، غرب الجزائر. وفي ذلك المكان دارت معركة، بل واحدة من أشهر معارك حرب التحرير، بين يومي 6 و8 مايو 1960. ثلاثة أيام كاملة من مواجهة مباشرة بين الجيشين، من جهة جبهة التحرير ومن جهة أخرى جيش الفرنسيين.

بدأت المعركة عندما اكتشف الفرنسيون جهاز إرسال – بحسب ما تفيد به شهادات متطابقة – ثم اكتشفوا آثار مشي على الأرض، في منطقة يُفترض أنها كانت تحت سيطرة الفرنسيين. قبل أن تقلع مروحية مراقبة وتتعقّب أثار المشي، وتحدد موقع الفيلق الذي ضمّ في صفوفه الخطيب خطيبي، ثم اشتعل جبل أمزي طوال ثلاثة أيّام، لم يتوقف فيها دويّ الرصاص، ولا طلقات القنابل الحارقة، ولا أزيز الطّائرات وهي تحوم في تعقّب المناضلين.

وقوع معركة

انتهت المعركة بخسائر فادحة في صفوف الفرنسيين: 18 قتيلا من بينهم ضابط، مع 45 جريحا. بينما في صفوف جيش التحرير فقد استشهد من بينهم 117 رجلاً، ولكن نجا منها الكثيرون كذلك، هؤلاء الناجون سوف يروون تلك المعركة، والأهم من كلّ ذلك، والأهم من وقوع المعركة والنجاة منها، أنّها تحوّلت إلى محطة إعلامية، ساعدت جبهة التحرير في تدويل قضيتها، وفي نشر وقائعها وأخبارها وفي كسب تعاطف دوليّ مع حربها من أجل الاستقلال. نجا منها إذن الخطيب خطيبي، لكن عمله لم ينته، سوف يستمر في مهام التّنسيق والمقاومة مع جبهة عامين آخرين، إلى غاية الاستقلال عام 1962، وقد كان من الأسماء المطلوبة للفرنسيين. نجا من الموت مثلما نجا من الاعتقال، وكان يعتقد أن شخصًا مثله سوف يصير بطلًا غداة الاستقلال، لكن حصل العكس.

عقب الاستقلال خاض تكوينًا في مجال الصحة، وصار مشرفًا على مستشفيات، بينما وسام الاستحقاق الذي أسدته إليه الحكومة فقد طواه في الخزانة، منصرفًا إلى أعماله في المستشفى. فقد انتهت الحرب وشعر أن حياته في الجندية قد انتهت، فلم يرق له ظهور في الإعلام ولا أن تظهر صورة له في جريدة أو يرد اسمه في الراديو. تلك السنوات التي عاشها في المقاومة لم تعد سوى ذكرى في مخيلته، ويضيف نجله إسحاق: «». لقد عاش الخطيب خطيبي مثل فنك في الصحراء. ومن خصائص الفنك، هذا الثعلب الصغير، أن يتألف مع البيئة التي يحيا فيها، تمامًا مثلما فعل الخطيب، تآلف مع سنين الحرب، وانصرف إلى مشاغل تطوير قطاع الصحة عقب الاستقلال. لم يبك على أطلال ولم يبحث عن أمجاد. وعندما وافته المنية قبل ثلاث سنوات، انسحب من الحياة كذلك في هدوء، لا ضجيج ولا ضوضاء. وهي حال الكثيرين ممن ناضلوا في حرب التحرير، لم ينضموا إليها من أجل مال أو سلطة، بل عن قناعة، وعندما انتهت الحرب وضعوا سلاحهم جنبًا، وانبروا إلى مهام أخرى في انتظار أجلهم.

 


مشاهدات 102
أضيف 2025/08/30 - 1:17 AM
آخر تحديث 2025/08/30 - 4:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 163 الشهر 21440 الكلي 11416526
الوقت الآن
السبت 2025/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير