الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فاسد كبير وآخر صغير

بواسطة azzaman

فاسد كبير وآخر صغير

نوزاد حسن

 

مشكلة زماننا اليوم هي الفساد.والفساد ليس كلمة عادية نصف بها ممارسات لا اخلاقية وانما كلمة الفساد تعني شيئا اخطر من ذلك.وكل ما نعانيه اليوم من مشاكل سببه غموض هذه الكلمة,وعدم تحديد معناها ايضا.

تعودنا ان نقول ان فلانا فاسد.مباشرة نعرف انه سرق,او اخذ كموشن او طلب مبلغا من المال على سبيل الرشوة.وحتى هذه يمكن ان يجد لها المسؤول الفاسد تبريرا فيقول انتم تسمونها رشوة,وهي ليست كذلك هي هدية والنبي قبل الهدية.

ولو كنا نملك مفكرين وفلاسفة كبار لما حدثت مثل هذه المشكلة الاخلاقية.ان الفيلسوف هو شرطي مرور الافكار.انه يحددها ويواجهها ويعلمنا كيف نقف ضدها.

اليوم يتمتع المسؤول بحياة رائعة.يفعل ما يشاء,ويسرق ما يشاء.اتحدث هنا عن فاسدين خطرين.ومع ذلك يشعر هذا المسؤول ان هناك من يحسده.وان هناك مسؤولا صغيرا يقلده في فساده.

سلطة لويس

لو ابتعد الشرفاء عن اي مسؤول يسرق المال العام لانتهت او لتقلصت مشاكل الفساد.وحين قلت اننا بحاجة لفلاسفة لمواجهة وكشف اثار الفساد فانا اعني كيف تلاعبت كتابات فولتير وروسو بسلطة لويس السادس عشر بحيث اعترف هذا الملك بان هذين الفيلسوفين افسدا عليه فرنسا .

لاحظوا ان هذا الملك يتهم المثقف بانه فاسد وهذا ما يحدث عندنا ايضا.ابعاد لمثقف نزيه, وشيطنة اية معارضة مثل تشرين,وقتل شبابها.

احد الفاسدين يعترف انه اخذ ملايين الدولارات من جهة معينة، ثم يقول بان الجميع فاسد وغارق بلعبة الامتيازات لان «السلطة حلوة»

كيف يمكن ان يقال كلام كهذا علنا وفي الفضائيات.ولا تنسوا حكاية الكعكة وتقسيمها وفرح المتقاسمين بها.كما تحدثت مرة نائبة في احدى الفضائيات ايضا.لا تظنوا ان ما قيل وسيقال من قصص الفساد قيل لابراء الذمة وانما قيل لان الفاسد وصل اخيرا الى قناعة كبيرة بان هناك الملايين خارج السلطة يتمنون ان يجلسوا في مكانه كي يسرقوا هم ايضا.

الفاسدون يعرفون نظرات الحسد في عيون الناس حين يخرجون بسياراتهم الحديثة في الشوارع,وحين تلتقيهم وسائل الاعلام كابطال لديهم الحكمة والمعلومة.الفضائيات تستقبل الفاسد مثل فاتح كبير.

الفاسد لا يشعر بانه فاسد بل يحس بانه «فهلوي» على حد تعبير المصريين,و»نجر» على حد تعبيرنا الشعبي.واللعبة السياسية تسعى الان لتغيير ذوقنا نحو اسوأ درجة.

  تحاول السياسة تسويق فاسديها على انهم رجال مرحلة صعبة.وهناك نجاح كبير يحققه فاسدو زمننا.في احد المعارض دخل احدهم الى صالة كبيرة.سبق هذا الفاسد دخول بعض الحمايات معهم بوق غبي يصرخ بمدح هذا المسؤول,كل الجالسين في الصالة وقفوا وهم يديرون رؤوسهم ليحظوا برؤية مسؤول يتمتع بامتيازات لا حد لها.كانوا مبهورين به.وكان هذا المسوؤل يشاهد عبودية واحترام الواقفين له.احساس بالانتصار ياتي من ذل الواقفين وتصغيرهم انفسهم امام شخص يسرقهم علنا.

 اظن ان معركة كل الفاسدين هي جعل الجميع يؤمنون بان العملية السياسية لا بد ان تستمر.وهناك مؤشر يجعل الفاسدين واثقين من انهم غيروا الذوق العام تقريبا بحيث لم يعد ظهور السياسي في مكان ما يثير حالة من الانزعاج والكره الذي تظهره العبون نحوه.ولو كنا شعبا مثقفا لعاملنا هذه الطبقة الفاسدة باسلوب قاتل يعتمد على جعل الفاسدين يشعرون بانهم غير مرحب بهم.وان مكانهم ليس بيننا.علينا ان نطردهم من مجالنا الاجتماعي كي لا يلوثوه.هذا عقاب شعبي رائع يمكننا ممارسته بحرية كاملة.

كيف نقوم بذلك؟

اولا:اذا دخل المسوؤل في مكان عام ليخرج الجميع,ويتركوه وحده مع حمايته حتى لو كان هذا المكان مسجدا.

ثانيا:توجيه نظرات حادة نحوه وتجاهله وعدم الانتباه له.

ثالثا:عدم الجلوس امامه ان اقتضى الامر ذلك بانكسار والحديث معه على انه موظف يقدم خدمة لهم وياخذ راتبه من جيوبهم.

  قد يقال انا اتحدث بمثالية واعترف بهذا لان مستوى الوعي الشعبي عندنا ما زال بعيدا جدا عن معاقبة المسؤولين بهذا الشكل الحضاري.وقد اخبرنا القران الكريم بقصة قارون وكيف خرج على قومه في زينته فانقسم الناس فريقين.احدهما فريق تمنى لو كان يملك مثل ما يملك قارون.وفريق اخر مارس دوره الاخلاقي العظيم وحذر من تمنى ان يكون كذلك المتعجرف قارون.وكانت النتيجة ان خسف الله به وبداره الارض.هذه ليست حكاية انتهت انها حالة صراع دائمة بين مسؤول يسرق وهناك من يريد نقليده,وجماعة رائعة ترفضه وتنظر اليه بحقد وتحاول اخراجه من مجالها الاجتماعي.

 لماذا اصبحت السلطة عندنا حلم الكثيرين؟لماذا يتباهى احدنا بانه يعرف فلانا,وعلانا؟والاخطر من هذه الاسئلة كيف يتقبل المسؤول كل هذه الامتيازات.؟

  دعوني اطرح هذا السؤال:هل يجوز ان ياخذ هذا المسؤول او ذاك امتيازات مليونية.وهل الحصول على الامتيازات المتفق عليها بين الكتل والسياسيين يجعلها مالا حلالا.؟

ما هو معيار عدم جواز اخذ هذه الامتيازات؟

الجواب الوحيد لكل هذه الاسئلة هو:ان المعيار الذي يجب مراعاته في تحديد الامتيازات هو الوضع الاقتصادي للطبقات الفقيرة,وحاجة البلد الى البنى التحتية الضرورية.هذان المعياران هما ما يجعلان الامتيازات العالية خطأ وفاحشة ايضا.   ان الفقر والبطالة وانهيار البنية الصحية والخدمية والتعليمية تحدد الراتب الذي يجب ان يتقاضاه اي مسؤول.في بلد كماليزيا يمكن للمسؤول ان يحصل على امتياز ما.ومع ذلك لا توجد امتيازات متورمة كامتيازات المسؤولين عندنا.فهناك عوائل تعيش على النفايات كالذباب,وهناك وهناك.هذا ما يجعلني اقول ان الامتيازات هي اموال تسرق يوميا منا ودون ان تتوقف.

مخصصات مرتفعة

اذا لم يقدم الوزير خدمة جيدة فكيف ياخذ راتبا عاليا؟وكيف يحصل على مخصصات مرتفعة؟

 ماذا تعني هذه المعادلة, معادلة وزير لا يقدم خدمة جيدة ويحصل على ما يجعله يعيش كملك؟

لاحظوا التناقض.احصل على ما تريد لانه متفق عليه كراتب وكمخصصات منصب عالية ولا مشكلة ان كنت لم تقدم شيئا.

  هذا التناقض هو نكتة لا تقع الا عندنا.وبعد ذلك يتحدثون عن نظام سياسي واعد خلصنا من دكتاتورية سابقة.

كل هذا سيقود الى صناعة فاسدين صغار يريدون ان يكبروا ويتمتعوا بالامتيازات.

الفاسد الصغير يتصرف على قدر حجمه.هو يجامل هذا الموظف على حساب موظف اخر.كما ان الفاسد الصغير يملك حق جعل سجله نظيفا من الاجازات والزمنيات والمرضيات.

  يتصرف الفاسد الصغير بما يملكه من صلاحية قليلة ومع ذلك هو يتصرف كفاسد كبير مع اختلاف المكسب.

يتحدث عن العدالة وهو لا ينصف زملاء العمل معه.هذا الفاسد مهرج وبائس.       


مشاهدات 108
الكاتب نوزاد حسن
أضيف 2025/08/27 - 2:55 PM
آخر تحديث 2025/08/30 - 2:46 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 548 الشهر 21825 الكلي 11416911
الوقت الآن
السبت 2025/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير