00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  محمد حسين الشامي يكشف لـ (الزمان) بعد أربعين عاماً أسرار إعتقاله  1-2

حوارات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

محمد حسين الشامي يكشف لـ (الزمان) بعد أربعين عاماً أسرار إعتقاله  1-2

أوراق السفير وتداعيات حكم البعث بعد تموز 1968:

هكذا رأيت وقائع الموت في السجن الإنفرادي بالحاكمية

{ بإعدام قادة الحزب في واقعة قاعة الخلد إنتهى عملياً حكم حزب البعث

{ ماذا قال الشامي عن الفريق وليد سيرت في السودان؟

{ أبن عمي تيسير تم إعدامه بجريرة إتصالات هاتفية وفرها مع راجي التكريتي

{ طلبت في المعتقل صحفاً لاقرأ عن مجريات الحرب مع إيران

{ ماذا قال برزان للشامي في إتصال هاتفي في سجن الحاكمية؟

{ عباس هويدا رئيس وزراء إيران أبلغني خبر نقلي من محافظة كربلاء

احمد عبد المجيد

 

من بين حشد الصور التي ظلت عالقة في ذهني، مشهد شاب يرتدي بزة الحرس القومي، ظل ثابتاً، مع قلة قليلة جداً من رفاقه عند مدخل المكتبة المركزية في مدينة كربلاء. كان الحدث صاعقاً وكان الارتياح بادياً على الشارع باطاحة عبد السلام عارف بالبعثيين صبيحة يوم 18 تشرين 1964 وفيما اخذ الاعلام الحكومي يطلق على الحدث (ثورة تشرين)، كان عدد الاهالي الذين تجمهروا امام المكتبة التي تحولت بعد انقلاب 8 شباط 1963 الى مقر للحرس القومي، يزداد اتساعا مع تطور ساعات اعلان عارف، نجاح (الثورة) وعرض مزيد من جرائم الفئة التي اطاحت بعبد الكريم قاسم وعاثت فسادا في البلاد، بحسب منطق بيانات تشرين.

وفي 19 تشرين، لم يعد قادراً على الاستسلام للشرطة المحلية من عناصر الحرس القومي، الا فئة القليلة جداً، وكان من بينهم الشاب محمد حسين محسن الشامي، المشهور باسم (حسن الشامي) بين العناصر البعثية التي عرفت في كربلاء، كبدري وأخيه حميد الكلكاوي ومحمد مجيد القرعاوي ومهدي الخزرجي وعدنان وطارق وياسين اولاد طه الالوسي وحسن السعيد وعبد الواحد شمس الدين، وهذا الاخير الذي كان قائداً للحرس القومي، اعطى الايعاز لرفاقه للاستسلام حقناً لدمائهم واعترافاً بتقويض سلطة البعث التي وصلت الى الحكم على جثث بعض الضباط الاحرار ومنهم قاسم والمهداوي وماجد محمد امين والشيخ وسواهم. وكنت في الصف الخامس بمدرسة العباس الابتدائية للبنين، عندما عاصرت الحدثين في عامي 1963 – 1964.

 

واتيحت لي فرصة التفرج على المسجونين من عناصر الحرس القومي في سجن السراي بالمدينة، من خلف السياج الحديدي اثناء خروج المسجونين لقضاء حاجتهم في دورات المياه وممارسة السير، تحت اشعة الشمس لمدة ربع ساعة تقريباً. كانت معظم عوائل المسجونين تستثمر الوقت لزيارة ذويها ومشاهدتهم من وراء السياج بأعمدته الطويلة، بدلا من تحمل مشاهدتهم من وراء القضبان في سجن تقليدي بكل ما ينطوي عليه من دلالة على آثار الجريمة واقتراف الذنوب الجنائية فقط.

المفارقة التي رافقت هذا الحدث ان البعثيين، الذين كانوا يتمتعون بالحرية خارج السجن، تحولوا الى ضيوف عليه وشاركوا خصومهم الشيوعيين، الذين تعرضوا الى قمعهم، المصير وقاسموهم معاناة القمع والتنكيل. ولم تشهد كربلاء، كغيرها من مدن العراق، احداثاً استثنائية سواء في شباط 1963 او تشرين 1964 ذلك ان الموقف في بغداد هو الذي يحسم اوضاع الاطراف في الغالب. فبرغم ان الشيوعيين واصلوا التظاهر في وسط كربلاء مرددين هتاف (ماكو مؤامرة تصير عين الشعب مفتوحة) دفاعاً عن عبد الكريم قاسم، فانهم اضطروا للتسليم بالامر الواقع بعد مضي ثلاثة ايام بعد ان ثبت سلطة البعثيين اقدامها وتم اعدام قاسم، كما ان اعضاء البعث الذين ظلوا يرفضون الهزيمة متحصنين داخل مقارهم عند الاطاحة بهم سرعان ما تركوها بعد ان رسخ عبد السلام عارف اقدامه وهزم بؤر الردة. ومع ذلك لا يمكن تجاهل جريمة قتل شرطي مستطرق صبيحة تشرين 1963 اتهم بارتكابها شاب متهوّر اسمه احمد ذاكر، ثم تمت تبرأته قضائياً في وقت لاحق. وتدور الأيام وغاب كثير من البعثيين المعروفين وكان عددهم في جميع ارجاء كربلاء لا يتجاوز الثلاثين في المشهد السياسي، لكن صورة الشاب الشامي لم تبرح ذاكرتي، حتى تموز 1968 حيث زاول من جديد مهماته الحزبية، على وفق منطق جديد تبنته القيادة الحزبية ومؤداه (اطلاق سراح السجناء السياسيين واعادتهم الى وظائفهم وفتح صفحة جديدة في العلاقة مع القوى السياسية وطي آلام الماضي).

ورأيت ذلك في استئناف عدد من مدرسينا في اعدادية كربلاء واجاباتهم في التربية، وكان بينهم استاذ الجغرافيا والكيمياء واللغة العربية والرياضيات، كما تابعت التطورات في الانتخابات الطلابية التي جرت، للمرة الاولى في المدارس الاعدادية والثانوية (من الصف الربع – السادس) وصادف ان الجبهة التقدمية التي تضم ائتلاف الطلاب الشيوعيين والقوميين وكنت منها، فازت في هذه الانتخابات العام 1969  وفاجأت العراق بتحقيقها اجتياحاً طلابياً لم تشهد له مثيلاً سوى مدرسة اخرى في بغداد هي ثانوية النضال للبنين. وتحت موجبات الوضع الجديد، عادت صورة الشاب الشامي تتجسد امامي، وهو احد الملاكات المتقدمة لحزب البعث، مسؤولا عن الخط الطلابي، وهي مسؤولية اتاحت له، مباشرة اتصالاته بالمجموعة الطلابية في اعدادية كربلاء التي امسكت بزمام (الاتحاد الوطني للطلبة) بدلاً من المجموعة البعثية التي ظلت مشاعر الهزيمة الانتخابية كامنة في نفوس اعضائها، فبادرت بين حين وآخر الى تعويق عملنا او خلق فتنة ما، تستفز جموع الاغلبية التي اختارتنا.

وانا استرجع هذا الحدث غير المسبوق في تاريخ كربلاء، يتعين عليّ الكشف عن مدير المدرسة الذي آزر الجبهة التقدمية من منطلق ميوله القومية، الاستاذ فاضل زيني، الذي لم تكن الاجواء الناجمة عن الانتخابات تهدأ، حتى صدر امر نقله الى متوسطة الثورة، بمنطقة باب بغداد، قبل ان يقصى ويكلف بوظيفة مفتش بتربية المحافظة، تنفيذاً لعقوبة رفضه تدخل الاجهزة الامنية بالانتخابات وتمسكه باستقلال الادارة. ويبدو ان الشاب الشامي، الذي كان يراقب المشهد وتداعياته، حرص على التهدئة، من مبدأ تعهد قطعته السلطات بديمقراطية الانتخابات واشاعة اجواء الحرية في ممارسة حق الاختيار، فظل يتقرب من مجموعتنا ويحرص على اشاعة جو الاطمئنان بيننا، ورفض مظاهر السلوك اللامسؤول من زملائنا السابقين (المهزومين)، وتأكيد أحقية الفائزين بممارسة مسؤولياتهم داخل جدران المدرسة، والمشاركة ايضا في المؤتمر العام الذي عقد (يا للمصادفة) في احدى قاعات المكتبة المركزية الكائنة بمدخل شارع الامام علي من جهة ساحة البلوش وسط كربلاء. ورأيت الشامي صادقاً مقنعاً في طروحاته في اللقاء الاول به بعد فوزنا. كان ذلك في مبنى فرع الاتحاد، مجاور قاعة الادارة المحلية. كان حديثه مفعماً بالامل وحافزاً على المشاركة الوطنية وحاثاً على البناء المشترك.

*****

وفي لقائي بالشامي، في منزله قبل ايام، استعدت معه ذكرى ذلك الحديث الذي طمأنني شخصياً واقنعني بوجود شخصيات من الطيف السياسي الاخر، يمكن مد اليد اليها. واعترفت له اني تمنيت ان اكون من لونه السياسي، اعجاباً بالمتبنيات التي حملها في حديثه معنا. وأجزم ان منطلقات الشامي ومجموعة الرئيس الراحل احمد حسن البكر هي التي اثمرت قيام الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في ما بعد، وكانت زيارتي اليه في منزله بالمنصور ببغداد بعد نحو نصف قرن، تتزامن مع صدور اوراقه كسفير سابق، في كتاب جديد قرأته بشغف ووجدت فيه صدقاً نادراً ومرارة لاذعة من جريمة تعرض لها وتحولت اصداؤها بين الكربلائيين عام 1973 الى ظاهرة نادرة في الوفاء واحترام العلاقات الاجتماعية وتحدي طغيان وجبروت الرؤية المضادة للقيم العراقية الاصيلة. ولعل من الاهمية الاشارة الى ان محمد حسين الشامي واحد من قلة تمكن من شق طريقه وصعود مراتب وظيفية بارزة برغم صغر سنه. فقد تولى مسؤولية تنظيم الحزب في محافظة المثنى، فور اعلان تشكيلها وفصل السماوة عن الديوانية مطلع السبعينات من القرن الماضي ثم محافظاً لها عام 1973 ثم تولى ادارة محافظة كربلاء عام 1975 – 1976 ليكون اول شخصية كربلائية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 تكلف بادارة المدينة خلفاً لعشرات (المتصرفين والمحافظين) قبله الذين كانوا من منابت ومدن اخرى. وبرغم قصر مدة توليه هذا المنصب (اربعة اشهر فقط)، فان الشامي ترك اثراً طيباً في نفوس عامة اهل كربلاء. والغريب انه كان في زيارة الى ايران بدعوة من محافظ مشهد، وتلقى خبر نقله منها، عبر رئيس وزراء ايران عباس هويدا، الذي كان يتحدث العربية باللهجة اللبنانية بطلاقة.

كان الشامي يتمتع بكارزما واضحة، فهو متسلح بفكر عقائدي سليم وثقافة سياسية عميقة واستعداد نفسي لخدمة بلاده، حتى في ابسط المواقع، كما كان شاباً انيقاً وسيماً منفتحاً ونزيهاً نظيف اليد واللسان وابيض القلب. وهي عناصر اذا اجتمعت في شخص صيرته قيادياً متميزاً. ولعل ذلك يفسر نجاحاته في مهماته الحزبية والمدنية، ثم انخراطه في السلك الدبلوماسي، ولو اني اعزو تحوله الى وزارة الخارجية الى (عقوبة) تعرض لها نتيجة مواقف صلبة او وشايات تحدث عنها في (اوراق السفير)، التي اجملت رحلة حياته وسيرته الحزبية والوظيفية. وهي سيرة شاقة قدم فيها الشامي تضحيات جمة اكلت زهرة شبابه، وتجرع فيها آلام الظلم ونكران الفضل سواء ممن يظنهم رفاقه، او ممن زاملهم في العمل الدبلوماسي، ماضياً وحاضراً.

******

خلال عقد التسعينات من القرن الماضي التقيت، مصادفة، بالشامي في معرض مرموق للاثاث في شارع 14 رمضان، كان المعرض واجهة لشركة، اظن ان اسمها المها، يديرها بمعية عمه الراحل شقيق والده، وهو رجل من نسل الرسول محمد (ص)، من عائلة الشامي العريقة. يومها اقترحت عليه اجراء لقاء صحفي للحديث عن تموز 1968  لكني فوجئت برفضه القاطع للفكرة، مشيرا الى ان (الثورة التي تفجرت وكنا فيها، انحرفت عن اهدافها وان الحزب الذي انخرطنا فيه لم يعد المنظومة العقائدية الاولى التي ناضلنا في سبيلها)، كان يوحي برفضه تفرّد صدام حسين بالسلطة وتعامله مع رفاقه في الحزب وجور قراراته. وانقطعت اخباره عني، باستثناء مدة، كنت استقيها من ابن عمه، الذي اعدمه الرئيس صدام بشبهة التعاون مع الحكيم (الطبيب) راجي التكريتي. كان تيسير، الذي تعرفت عليه في المدرسة الابتدائية والمتوسطة، جندياً في الاحتياط صادفته في الخدمة العسكرية، شاباً طويل القامة ممتلئ نشاطاً ويتمتع بخلق نادر. وخلال بعض اللقاءات كنت اسأله عن السفير الشامي، الذي تفرغ لممارسة التجارة والمحاماة، اثر فصله من الحزب واحالته على التقاعد من الوظيفة في السلك الدبلوماسي.

كانت صدمتي، وعدد من زملائي في الجندية، لا توصف عندما سمعنا نبأ اعدام تيسير، مثلما صدمني قبل ذلك بعقد من الزمان، نبأ اعتقال محمد حسين الشامي، نتيجة حضوره مجلس العزاء على روح زميلنا في الدراسة الاعدادية ازهر الطيار، الذي قتلته رصاصات اجهزة الامن اثناء محاولته الهروب من الاعتقال على خلفية انتمائه لحزب الدعوة الاسلامية. لقد عد حضور الشامي، (جريمة) نجم عنها الاعتقال في زنزانة منفردة ثم في غرفة مغلفة ببلاط احمر من السيراميك (كاشي) لنحو سنتين. وبرغم الصبر الذي يتحلى به مناضل من طراز محمد حسين الشامي ابن مدينة ترضع الشهادة ومعاني التضحية والفداء لابنائها وهم في المهد، الا انه اقدم على الانتحار ثلاث مرات. وقال لي وهو يسترجع تلك الايام السود (كدت اجن ورأيت ان الانتحار هو الخلاص الوحيد. وكنت اطلب من الله ان ينقذني بالطريقة التي وجدتها ممكنة، لكن ارادته غلبتني في كل مرة، فتم انقاذي وانا في الرمق الاخير). وفي (اوراق السفير) يكشف محمد حسين الشامي، الذي سألته عن شقيقه احمد، زميلنا في الدراسة الاعدادية، وقال انه يقيم في دولة الامارات العربية المتحدة، يكشف عن رسالة بدت لي عند قراءتها شديدة العتب وجريئة، وجهها الى السيد ابراهيم الجعفري، المشهور في كربلاء بالاشيقر، وهو من عائلة هاشمية كريمة ومعروفة بالزهد والتقوى، تحت عنوان (أوفيت معك ولم توف) وذلك في اعقاب توليه رئاسة الوزراء عام 2005 وفي هذه الرسالة كلام (خشن) قارن فيه الشامي، نفسه بالاشيقر، وظيفياً وسياسياً.

ان مجرد هذا العنوان، ينطوي على جرأة في اعقاب زلزال ضرب العراق بعد نيسان 2003 واطاح بسلطة صدام حسين. وأعترف اني لم افاجأ بهذه الجرأة لاني عرفت الشامي، منذ صورته الاولى الراسخة في ذهني عام 1964  ومواقفه التالية الراسخة ايضا في عقلي وضميري، جريئاً ثابتاً غير هيّاب. وتكشف اوراقه المطبوعة التي تلقيت نسخة منها هدية بتوقيعه، تفاصيل دقيقة رافقت عملية استجوابه، سواء من قبل الجهاز الحزبي في اطار التحقيق معه في امانة سر القطر، او من قبل الجهاز المخابراتي، الذي يرأسه برزان ابراهيم التكريتي، وتولى استدراج الشامي من بودابست بعد نحو ثلاثة اشهر من تعيينه سفيراً لدى هنغاريا، الى مؤتمر السفراء العراقيين لدى الدول الغربية، ثم اعتقاله، وهو في منزل والده الذي كان ينازع ضد المرض في كربلاء. وعند هذا المنزل احتفظ بتذكارات شارع النجارين والمستوصف الباكستاني، القريب من منزل الشامي الواقع داخل زقاق مغلق، لكنه منفتح على آفاق العالم كله. 

مقتطفات من اوراق السفير

تضمنت اوراق السفير الشامي سردا لوقائع اعتقاله والاساليب التي استخدمت ضده في السجن الانفرادي، وبعض مشاهداته الاخرى. وقال:

(لقد كان رئيس النظام السابق لا يومن بالعمل الديمقراطي وهو ما دفع نظامه الى تصفية خصومه بمختلف الوسائل والاساليب، وان هذه الاجراءات كانت بمثابة الفايروس الذي دخل الى جسم حزب البعث العربي الاشتراكي واخذ ينخر في هذا الجسم حتى افرغه من محتواه العقائدي. وعلامات الاستفهام التي اثيرت على رئيس النظام السابق منها خلال الفترة التي قضاها في القاهرة بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم عام 1959 والذي دوره كان هامشيا فيها وليس تنفيذيا، حيث كانت مهمته حماية انسحاب الملاك المنفذ لعملية الاغتيال ومن اناس مقربين له هو عيادة الصديد الذي كان يتواجد معه اخبرني بان صدام كان معهم في القاهرة ويلتقون معه باستمرار، الا انه غاب عنهم لفترة تقارب الاسبوعين من دون ان يعرفوا عنه شيئا! بعدها اصبح قليل الخروج ويقضي وقتا كثيرا للمطالعة في داره). واضاف الشامي: (بعد تغيير النظام السياسي في العراق عام 1963 عاد اليه وتم تنسيبه الى موقع هامشي في الحزب وهو عضو في المكتب الفلاحي وبقدرة قادر وخلال اقل من اربع سنوات يصبح عضوا في القيادة القومية ونائب امين سر القيادة القطرية! وبعد تسلم الحزب للحكم عام 1968 بدأ بتنفيذ ما في فكره خطوة خطوة، وكان يسير وفق المثل القائل (تمسكن.. تمسكن حتى تمكن).

وبعد تسلمه لزمام الامور في تموز 1979 اقدم على تصفية كوكبة مناضلة بحجة وجود مؤامرة من قبل سوريا ومن ثم قام بعزل الرئيس احمد حسن البكر رحمه الله وذلك بمسرحية هزيلة. بعدها بدأ بتنفيذ المخطط الامريكي الصهيوني لشن الحرب على ايران، لكي تستنزف قدرات المنطقة. ثم تلاها احتلال الكويت عام 1990 والتي لا يوجد اي مبرر لاحتلالها، لاسيما نحن خرجنا من حرب مع ايران دامت ثماني سنوات حرقت الاخضر واليابس واستنزفت الكثير من القدرات والامكانات، اضافة الى الاف الشهداء).

واكد في فقرة اخرى من الاوراق ان (اساليب النظام السابق بعد ان تمت الهيمنة على زمام الامور تضمنت فتح ابواب السجون للمناضلين الشرفاء من مختلف الاحزاب والتيارات السياسية الوطنية، ولقد تفنن النظام السابق في بناء المعتقلات وممارسة التعذيب فيها وباساليب مختلفة ومن ضمن هذه المعتقلات اتذكر المحاجر التي كانت تسمى بالحاكمية (القديمة) وكان موقعها مقابل القصر الابيض، وقد قضيت في احداها خمسة أشعر انفرادي بدءا من 1/4/1980 وكانت مساحة المحجر الواح د 2 متر طولا ومتر ونصف المتر، عرضا و2 متر ارتفاعا. وفي الوقت الذي كنت اعيش في هذا المحجر، لوحدي كانت المحاجر الاخرى التي بجانبي والتي هي بالمقاسات نفسها تضم اربعة الى خمسة اشخاص، فتخيلوا كيف سينام هؤلاء؟ كم كان بودي بعد السقوط والاحتلال عام 2003 ان يتم اعتقال الذين هندسوا هذه المحاجر في احداها، ولكن الامريكان لم ينفذوا ذلك، وعندما تقضي مصلحتهم يزيحون من يريدون عن طريقهم، مهما تكن علاقته بهم ومهما قدم لهم من خدمات وهذه امور معروفة ومشهورة، فشاه ايران كم خدم الغرب والامريكان ولسنين طويلة وعندما اقتضت مصلحتهم ازاحته، انتهى به الامر يريد ملاذا آمنا يستقر فيه، فلم يجد المأوى الذي يرغب اليه).

وبالنسبة لمشاهدات واقع الحال قال: (المحجر الذي كنت معتقلا فيه كان يسري في داخله القمل وكأنه (نمل فارسي) فكان يهرش في جسمي مما اضطررت الى ان اقضي معظم وقتي في اللباس الداخلي واستمر في قتل (القمل). كنت اخرج من هذا القفص يوميا بعد الظهر الى الحمام الشرقي القذر لقضاء الحاجة، وذلك بعد ان يتم اخراج جميع الموجودين في المحاجر الاخرى ليقضوا حاجتهم تحت ضربات السوط، وكنت استغل خروجي هذا، فأغتسل بماء الخرطوش لاخلص نفسي من (القمل). ومن الامور التي اتذكرها ان القفص الذي كنت معتقلا فيه يطل على المدخل الرئيس لباب القاعة، التي تضم هذه الاقفاص، فكنت قد اتفقت مع المعتقلين الذين حولي على كلمة معينة لا اتذكرها، فعندما يبتعد الحارس عن المدخل الرئيس، ابدأ بالتحدث معهم من دون ان اعرفهم او يعرفونني وكانوا يسمونني (بالحاج) لانهم كانوا يسمعونني حين اصلي او حين اتوجه بالدعاء لرب العالمين، وفي احد الايام جاء احد الحراس المسمى (سفيان) وهو اشقر اللون ويلبس بزة عسكرية ومن دون رتبة وشاهدته يمشي بهدوء وعلى مهل، لكي لا ينتبه إليه المعتقلون ولكي يستمع اليهم وهم يتحدثون، ففي حالة سماعه لهمسهم، فهذا يعني اخراج جميع من في هذا القفص، ويباشر عليهم الضرب المبرح وعند وصوله الى القفص، الذي خلفي سمعته يسأل، من الذي سكب الماء؟ فأجابه صوت بأنني قد غسلت يدي يا سيدي، فقال له: اطلع ابن الكلب، فسمعت باب المحجر ينفتح والضرب والركل يشتد على هذا المسكين، الذي يستنجد بالله وبالنبي محمد وبالقرآن بانه لا يعرف ذلك ممنوعا، حتى تعب سفيان واسمعه يقول للمعتقل (ابن الكلب الطع هذا المي) مع العلم ان ارض المحاجر قذرة جدا لانها تتصل بالتواليت الشرقي القذر، الذي اشرت اليه، وبالتأكيد ان هذا المسكين قد لطع الماء لانني سمعت بعدها الوحش الكاسر سفيان يقول له (ابن الكلب تعال بعد الطع حذائي).

ويعرض الشامي في اوراقه حادثة اخرى في السجن الانفرادي:  

(اتذكرها في بداية شهر تموز   1980 جاءوا برجل مريض يرتعش من الخوف واعتقلوه في المحجر، الذي بجانبي مباشرة وبعد ذهاب الحارس، الذي في مدخل القاعة بدأت اتحدث معه واهدئ من روعه، فعرفت منه بأنه استاذ جامعي وهو مصري الجنسية مشهور ومعروف، فهو اول من عارض الرئيس محمد أنور السادات على زيارته للارض المحتلة، وقد نشر رسالة مفتوحة في حينها في الصحف المصرية، وقد ترك مصر وقدم الى العراق كلاجئ سياسي واخذ يحاضر على ما اعتقد في الجامعة المستنصرية ببغداد، وبعد مرور اكثر من سنتين على وجوده بعيدا عن اهله، لاسيما وانه حسب ما عرفت منه متزوج من امرأتين وله اولاد، فحن لهم واشتاق، فقرر ان يعود اليهم، فذهب الى السفارة المصرية ببغداد وقدم طلبا بالعودة لبلده، ويبدو ان المخابرات العراقية، كانت ترصد حركته فاعتقلته وبقي في هذا المحجر حتى تم نقلنا الى المعتقل الجديد (باستيل العراق) قرب شارع 52 وبعدها لا اعرف شيئا عن مصيره وفي احد الايام اقتاد الحراس شابا فلسطينيا الى احد المحاجر القريبة مني جدا، وقد استفسرت منه عن سبب اعتقاله، فقال لي بانه جاء من الاردن مارا بالعراق ليذهب الى باكستان كداعية اسلامي. وفي اليوم الثاني، تم اخراجه للتحقيق، وقد عاد وظهره مسلوخا من شدة ضربات السوط، وقد سمعه جميع المعتقلين في هذه الاقفاص، يردد بصوت عال (سأصبر حتى يعلم الصبر بأنني صابر). اعود الى موضوع اعتقالي وما هو السبب، ففي نهاية عام 1979 وتحديدا في بداية شهر تشرين الثاني كنت سفيرا في مركز وزارة الخارجية، بعد ان امضيت في الخرطوم سنتين ونصف وكنت مهيأ للسفر الى بودابست لتقديم اوراق اعتمادي سفيرا للعراق، وخلال هذه الفترة علمت بان الاجهزة الامنية في كربلاء، قتلت الشهيد ازهر يحيى الطيار بسبب علاقته باشخاص ينتمون لحزب الدعوة الاسلامية، وهو ما اثار غضبي بشدة، لانني اعرف الشهيد واعرف اسرته حق المعرفة، فهم من كرام الناس ومن الاسر الكربلائية المعروفة، فركبت سيارتي على الفور وتوجهت من بغداد الى كربلاء، قاصدا حضور مجلس الفاتحة المقام على روحه ولتقديم التعازي الى اهله وذويه، بعدها بأيام قلائل سافرت الى بودابست للالتحاق بعملي الجديد ويبدو ان تقارير (التافهين) بدأت ترفع عبر التسلسل الى القيادة القطرية لاخبارهم بمجيئي من بغداد الى كربلاء وحضوري مجلس الفاتحة، وبعد سفري وتقديم اوراق اعتمادي لرئيس الدولة الهنغاري وكالة، باشرت مهام عملي ولم تمض فترة اربعة اشهر تقريبا حتى صدر امر نقلي من بودابست الى بغداد، وبدا لي الامر جلياً وواضحاً بان هذا الاجراء يتعلق بحضوري لمجلس الفاتحة، وقد صادف في هذه المدة قرب انعقاد مؤتمر السفراء العراقيين في الدول الاوربية في نهاية اذار عام 1980 وكان المطلوب ان اشارك فيه، حينها فكرت مليا فتوقعت بمجرد حضوري لبغداد سوف يتم اعتقالي، وكانت في حينها معي زوجتي وولداي مثنى ومضر.. وكان من اسهل ما يكون ان اطلب اللجوء السياسي لاي دولة واقربها سوريا، ولكنني رفضت ذلك مع نفسي، حيث كنت واثقا بعدم ارتكابي جرما يستحق العقاب، ولان عملي وتصرفي وسلوكي هو ناصع البياض وكنت اعتقد بان اعتقالي سيتم لفترة قصيرة ويتم اقصائي من الوظيفة ومع ذلك قررت المجيء الى بغداد، وكنت اتغنى بالبيت القائل:

بلادي وان جارت عليّ عزيزة

وقومي وان شحوا عليّ كرام).

 

يتبع

عدد المشـاهدات 6462   تاريخ الإضافـة 01/03/2021   رقم المحتوى 47855
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2021/7/26   توقيـت بغداد
تابعنا على