زمان جديد
العمى النخبوي
محمد كاظم الفاضلي
ليست أخطر أزمات المجتمعات أن تغيب عنها النخب، بل أن تكون النخب حاضرة، لكنها عاجزة عن رؤية ما يحدث حولها. وهذا ما يمكن تسميته بـ»العمى النخبوي «حين تنشغل النخب السياسية والثقافية والإعلامية والأكاديمية بصراعاتها ومصالحها وخطاباتها، إلى درجة تفقد معها القدرة على قراءة المجتمع وفهم تحولاته وأسئلته الحقيقية.
في بلادنا لا تبدو هذه الظاهرة منفصلة عن طبيعة الحياة العامة ، فهناك مسافة تتسع باستمرار بين لغة النخب وواقع الناس، وبين ما يُقال في المؤتمرات والندوات والبرامج التلفزيونية، وما يعيشه المواطن في تفاصيل يومه. تتحدث النخب عن الإصلاح والديمقراطية والدولة والمؤسسات، بينما يظل المواطن منشغلاً بأسئلة أكثر إلحاحاً تتعلق بالعمل والخدمات والعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص.
يتجلى العمى النخبوي حين تتحول المعرفة إلى وسيلة للدفاع عن المواقف، بدلاً من أن تكون أداة لفهم الواقع ونقده.
وحين تصبح الثقافة مجرد استعراض للمصطلحات، والسياسة دفاعاً عن الاصطفافات، والإعلام مساحة لتكرار الروايات الجاهزة، تفقد النخبة وظيفتها الأساسية بوصفها قوة نقد وتنوير ومساءلة.
ولا يتعلق الأمر هنا باتهام جميع النخب أو إنكار وجود أصوات عراقية تمتلك شجاعة النقد والاستقلال، بل بمحاولة فهم ظاهرة تتغذى على الاستقطاب السياسي، والمصالح المتبادلة، والخوف من خسارة المواقع والامتيازات. فبعض النخب لا ترى في المجتمع سوى جمهور ينبغي توجيهه، لا شريكاً ينبغي الإصغاء إليه، وبعضها الآخر يفضل البقاء داخل دوائر فكرية مغلقة، حتى عندما تتغير الوقائع من حوله.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تنتقل إلى الإعلام. فبدلاً من أن يكون الإعلام مساحة لاختبار الأفكار وكشف التناقضات وفتح الأسئلة، يتحول أحياناً إلى منصة لإعادة إنتاج خطاب النخب نفسها. وهكذا يصبح الجمهور محاصراً بين خطابات تتحدث باسمه، لكنها لا تنصت إليه بالضرورة.
إن أخطر ما في العمى النخبوي أنه يجعل صاحبه يعتقد أنه يرى أكثر من الآخرين، بينما هو في الحقيقة لا يرى إلا الجزء الذي ينسجم مع قناعاته ومصالحه. وحين تفقد النخب قدرتها على مراجعة ذاتها، تتحول من قوة اقتراح وتغيير إلى جزء من المشكلة التي يفترض أن تساعد المجتمع على تجاوزها.
ربما يحتاج العراق اليوم إلى إعادة تعريف دور النخبة، لا باعتبارها طبقة تحتكر المعرفة أو حق الكلام باسم المجتمع، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية وفكرية تقوم على النقد والاستقلال والقدرة على الاعتراف بالأخطاء. فالنخبة التي لا تسمع نبض مجتمعها، ولا ترى التحولات التي تحدث في حياته، ولا تراجع خطابها وأدواتها، قد تحتفظ بمواقعها وألقابها، لكنها تفقد تدريجياً مبرر وجودها.
فهل يعاني العراق من أزمة نخب، أم من نخب لم تعد ترى أزمتها؟