الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطعيم ضد الهاتف

← بواسطة azzaman

تطعيم ضد الهاتف

نور عبد الله

 

قد بات الجوال عنصرًا أساسيًا لنا في الوقت الحاضر، بل أصبح مكملًا لحواسنا؛ فهو أعيننا التي نشاهد بها، والأذن التي نسمع من خلالها ما يحدث عبر القارات، فحاسة السمع فيه غير محدودة المدى.

أصبح هو اللسان الذي نتحدث به ونخاطب، وكذلك حاسة اللمس التي نلتمس من خلالها الواقع  ونعرض من خلاله ما نود أن يشاهده الناس.

هي حاسة ذكية ولماحة، إلا أنها ماكرة تؤدي بحياة من يسيء استخدامها نحو الهلاك؛

فتفشي الأسرار وتقبح المظاهر، وقد تشوه الحقائق،  فتطمر جمالية أناس، لتبدي عليها قباحة أجناس باتت مهيمنة وطاغية وسط الساحة. إنها حاسة خطيرة ومخيفة في الوقت ذاته، فإن كانت حواس الإنسان الجسدية محدودة التأثير ومداها منحسرًا وفق محيط ضيق، فتلك الحاسة الإلكترونية أصبحت كالوباء المتفشي في كل بيت، يخالط أجواء كل أسرة برمتها ، وباء أعراضه قوية ومؤثرة، بالأخص على الذين يعانون من ضعف المناعة الفكرية، ودائمًا ما يكونون عرضة لالتقاط فيروس التضليل أو الانحطاط دون غيرهم ، ذلك لأنهم يفتقرون للوقاية العقلية والتربوية.

سابقاً حواسنا الفطرية كانت  قادرة على كبح جماح ما يهدد صفو حياتنا ضد هذه الاوبئة ،

كإشاعات نساء المدينة ، أو تسريب أسرار عائلية وسط محيط الأقارب، أو الإطاحة بمخطط سري لأب أو زوج يمارس الخيانة ، كون هذه الحواس كانت تحت نظر رقيب ،

أما الآن قد أصبحت حاسة الهاتف فعالة على نطاق مجتمعات وأقاليم ودول ، وسارية في شريان حياتنا كما يسري الدم في العروق فلا رقيب ينفع ، ولا حجب يمنع إلا رقابة الضمير والحكمة ،

لو علم غراهام بيل أن اختراعه للهاتف -كونه جهازًا ضروريًا وأنيقًا للتواصل- قد تطور عبر القرون وتغيرت ملامحه، وصغر حجمه، وأضيفت له أعين وآذان وألسنة، ونُسجت عليه شبكة عنكبوتية ليصبح حاسة سادسة،

لما اخترعه! فقد تشوه مضمونه ما بين النفع والأذى.

إضافة إلى أن الهاتف الصغير هذا يمتاز بحاسة شم قوية للكوارث والمشكلات والفضائح، أما لمغريات الإطاحة بالأخلاق فتصبح حاسة شمه أقوى.

حسنًا..

أنا أيضًا موضوعية ونقدي بنّاء؛ فلست أنكر منافعه المتعددة،

إلا أنني مستاءة من سوء توظيفه، تمامًا كحواسنا الخمس؛ فتلكم الأخرى تصبح نقمة إن لم نحسن استخدامها فيما يجدي وينفع.

هنا يأتي السؤال الأهم: إن كنا نمتلك الوعي فقد نجونا ولا خوف علينا،  نستطيع أن نتجنب جانبه المُمرض بالابتعاد قدر المستطاع، بالحجب أو ربما بالتغاضي ،

 لكن !! كيف نحمي غيرنا؟! كيف نحمي جيلًا بعدنا ؟

فبأي تطعيم عسانا نقي ما تبقى من وعي ؟

 

 


مشاهدات 14
الكاتب نور عبد الله
أضيف 2026/11/08 - 2:06 PM
آخر تحديث 2026/11/09 - 12:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 127 الشهر 17288 الكلي 16667822
الوقت الآن
الإثنين 2026/11/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير