نوارس دجلة وقوارص الإغتراب
علي الجنابي
إلى/ حضرة البروفسور سلمان رواف، مع التقدير
م/ إعتذار
لي صديق سافر مهاجراً، محفوفاً بحرق الأسى، ملفوفاً بخرق العذاب. ثمّ إنّه رجع زائراً متلهّفاً لنوارس دجلة بعد طول غياب؛ غياب من اغتراب ضاعت به أيّام الصّبا باستغراب، ما بين جزع وزلق مفجع في دروب الاكتئاب، وبين فزع وأرق من غروب موجع بالعذاب.
ثمّ إنّه ضرب بخنصره جرس الباب بأناقة واستحباب، وذلك دأبه إن دقّ باباً من الأبواب، أو قلب صفحةً في سجلّ أو كتاب. فنهضت مستعيذًا من شرّ طارق ففتحت له الباب، فأجهضت السّكت بتوق واف من التّرحاب، وبشوق شاف وجذّاب. وإذ أعرب لساني عن حنين لوجهه النّحيف الخلّاب، وإذ هرب حنيننا بأنيننا إلى كأس الدّمع فشربنا منه باضطراب، وإذ غرب عنّي كلّ قذف كنت قذفته به طوال أيّام الغياب. وما فتئت أعصفه جزاءً وفاقًا على معرّة هجر الوطن باغتراب، بحومة من لاذع الجواب وكومة من لاسع الخطاب، وما كنت أبالي بما لديه من معاذير وأسباب، رغم أنّي كنت عليماً بالأسباب! بل كنت أزداد عصفاً باستقطاب، على فراره من الوطن لمّا حاق برافديه والتّراب، حالك احتلال غاشم باغتصاب، ساق معه أدلّاء من هوام وذباب، وأذلّاء ممّا سيخلّفه وراءه من أذناب.
ولو ترى كيف كنت له واعظًا بتنطّع أنّ الأوطان حين رغدها مرافق ملاح لأهلها وكذلك لضيوف أغراب، غير أنّها حين الطّوارق تكون خنادق كفاح لأبنائها حتّى ينجلي الضّيم والضّباب، وما كانت الأوطان قطّ فنادق استجمام واسترطاب! وهكذا كنت أتنطّع ناصحًا له في مراسلات الأحباب. ثمّ إنّه ناجاني بكلم مكلوم من صعاب، وبدم ملموم يتمنّع عن العتاب، وبفم مضموم يتبلّع باللّعاب:
• قد عدت في إجازة خاطفة لأستمتع بنوارس دجلة ولأتمنع من قوارص الاغتراب، وأتخلّص ولو لشهر من رصّات في الصّدر صعاب. عدت وما ابتعدت عن بغداد لحظةً في فؤادي باحتجاب، بل النّبض لها كلّ حين كان نابضاً بمقام البيات باستطراب: «على شواطئ دجلة مرّ، يا منيتي وقت الفجرّ، شوفوا الطّبيعة تزهي بديعة، ليلة ربيعة يضوي البدرّ.. دجلة نهرنا يروي شجرنا، محلى فجرنا لمّن يطرّ..»، أنبئني؛ كيف أنت يا خيرة الأحباب؟
• لا تسل عراقيّاً «كيف أنت» في هذه الحقبة من أحقاب، بينما عينك ترى ما في البلاد من نعرات وسباب، ومن سعرات بخراب تباب، ومن صعرات كلاب سائبة في الدّراب! لا تسأله لكيلا تضطرّه لكاذب من جواب: «أنا بخير ولا ينقصني إلّا رؤية أهل الاغتراب!». عموماً؛ عوداً حميداً، وحسناً فعلت يا نابضاً «بالهامبرغر»، ورابضاً في «الكافيه»، ورافضاً لليشماغ والجلباب! وإنّ لذرّات كثيبات الوطن رنّةً بأنّة من عذاب، وهواها على الخافق هو الغالب الغلّاب، فتلك كثيبات لا يشعر بدفئها إلّا من فارقها شطر الهوى الأشقر الجذّاب. وأراك قد غرفت من ذاك الهوى حتّى خفّ فيك الوطيس وجفّ عنك سيل اللّعاب، ثمّ عرفت دفء النّوى في الكثيب الغلّاب، فذرفت الدّمع فانجرفت صوبه توقاً بانقلاب. وإذ كان السّمع لـ «على شواطئ دجلة مرّ» لك دافعاً، والدّمع فيك وقت الفجر للخدّ صافعاً، والجمع في بغداد للشّدّ رافعاً للأهداب.. فردّ باستياء وقال باستغراب:
• أجل يا صاح، قد عدت لبغداد فقبّلت رأس ما تبقّى من أهل داري في الشّعاب، وإذ بصرت بالهم بالهمّ متذمّراً بانكباب، وحالهم بالغمّ متخمّراً باستقطاب. وإذ التقمت معهم قطعةً من كعكة بهجتهم بعودي، معطّرةً بماء دجلة بخضاب، ومؤطّرةً بعسل تمرها، وبيض نوارسها كان لها الرّضاب، وما إن لكت منها قطعةً أخرى حتّى سلكت ميمّماً وجهي شطر دارك يا زبدة من رأت عيني من الأصحاب. بيد أنّ دمعي قد جفّ وكفّت عنه رعشة الأهداب، لمّا بصرت وأنا في طريقي إليك عجابًا من الخراب! وإذ رأيت القوم قد أبدلوا صورة الزّعيم بألف صورة لرؤساء ولزعماء شتّى من الأحزاب، وكذا مثلها لعمائم دين شيبة وشباب، ولا أخفيك إذ شعرت كأنّها وجوه لضباع، وبعضه.