الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق بين تناقضات الدولة والمجتمع والإقتصاد

← بواسطة azzaman

إلى أين تسير القافلة؟

العراق بين تناقضات الدولة والمجتمع والإقتصاد

زهير اسماعيل شهد

 

هل مشكلة العراق نقص الحلول أم عجز عن تنفيذها؟

هناك فرق جوهري بين المشكلة والمعضلة.

المشكلة قد تكون نقص الكهرباء أو البطالة أو ضعف الإنتاج الزراعي. ويمكن تحديد أسبابها ووضع برنامج لمعالجتها.

أما المعضلة فهي حالة تتشابك فيها المشكلات وتتعارض الحلول والمصالح، بحيث يؤدي علاج جانب منها إلى ظهور مقاومة أو تفاقم جانب آخر.

وهذا هو المدخل لفهم العراق.

فالعراق لا يواجه مجرد مجموعة من المشكلات المنفصلة، بل يواجه منظومة من التناقضات المتداخلة، بعضها سياسي وبعضها اقتصادي ومؤسسي واجتماعي، ويؤثر كل منها في الآخر.

ومن أمثلة ذلك:

•الدولة تحتاج إلى إصلاح الإدارة، ولكن الإصلاح قد يصطدم بمصالح مستفيدة من نظامها الحالي.

•الدولة تحتاج إلى قطاع خاص منتج، ولكن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي يعتمد على الإنفاق الحكومي.

علاقات متبادلة

•الدولة تحتاج إلى زيادة مواردها، ولكن المجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على ما توزعه الدولة من رواتب وخدمات ودعم.

•الدولة تحتاج إلى استقلال القرار الوطني، ولكنها تتأثر بتوازنات إقليمية ودولية متعارضة.

•الدولة تحتاج إلى تطبيق القانون على الجميع، ولكن تعدد مراكز النفوذ يجعل التنفيذ أكثر تعقيداً.

السؤال الفكري هنا ليس: كيف نعالج كل مشكلة؟ بل: كيف نغير المنظومة التي تعيد إنتاج المشكلات حتى بعد معالجتها؟

وهذا يتطلب الانتقال من التفكير التقليدي إلى ما يسمى التفكير المنظومي، أي دراسة العلاقات المتبادلة بين الأسباب والنتائج، لا الاكتفاء بدراسة كل ظاهرة بمفردها.

أولاً: لماذا تتعثر الحلول التقليدية في العراق؟

يمكن صياغة فرضية أساسية:

قد لا يكون نقص الخطط والموارد هو العائق الوحيد أمام التقدم العراقي، بل إن تضارب المصالح وضعف التنسيق والمساءلة يمنع تحويل الموارد والخطط إلى نتائج مستدامة.

هذه فرضية تحليلية تحتاج إلى اختبار بالأدلة، وليست حكماً شاملاً على جميع مؤسسات الدولة أو العاملين فيها.

لنفترض أن الحكومة قررت إصلاح الكهرباء. قد يتطلب ذلك إصلاح التعرفة، وتحسين الجباية، وتقليل الضياعات، والاستثمار في الشبكات، ومراجعة العقود.

لكن كل خطوة ترتبط بمصالح ومخاوف حقيقية: قدرة المواطن على الدفع، وأوضاع الفئات الفقيرة، ومصالح العاملين والمجهزين، وقدرة المؤسسات على التنفيذ. هنا لا يكفي إصدار قرار صحيح فنياً. المطلوب بناء حل قابل للتنفيذ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وهذا المثال ينطبق بدرجات مختلفة على المصارف والزراعة والصناعة والمنافذ الحدودية والتوظيف الحكومي.

ومن هنا نصل إلى حقيقة منهجية مهمة:

الحل الاقتصادي السليم نظرياً قد يفشل إذا تجاهل طبيعة السلطة والمؤسسات والمصالح التي ستنفذه.

ثانياً: تشخيص التناقضات الأساسية في العراق

لا بد من التمييز بين ما تؤكده المؤشرات الاقتصادية والمؤسسية، وبين الاستنتاجات التي نبنيها عليها.

1 - تناقض الدولة ذات الموارد الجيدة  والمجتمع الذي يعاني

بحسب بيانات البنك الدولي عن عام 2025، مثّل النفط نحو 88بالمئة من الإيرادات الحكومية و91بالمئة من صادرات السلع. وهذا يكشف حجم اعتماد المالية العامة والتجارة الخارجية على مورد واحد.

ليست المعضلة أن العراق لا يمتلك موارد، بل أن تحويل الموارد إلى طاقة إنتاجية مستمرة وفرص عمل وخدمات يعتمد على كفاءة المؤسسات وتوزيع الإنفاق والاستثمار. والسؤال الأعمق: لماذا لا يتحول كل ارتفاع في الإيرادات النفطية إلى تحسن مستدام في الإنتاجية؟

2  - تناقض الدولة بوصفها ربّ عمل والدولة بوصفها محركاً للتنمية

يحتاج الشباب إلى وظائف ودخول مستقرة، بينما تحتاج الدولة إلى ضبط نفقاتها.

ضغوط اجتماعية

وقد توقع صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2025 أن تصل الأجور والتقاعد إلى نحو 24.5بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026. وهذه توقعات وليست حصيلة نهائية.

توسيع التوظيف الحكومي يخفف الضغوط الاجتماعية على المدى القصير، لكنه قد يزيد الالتزامات المالية طويلة الأجل. وفي المقابل، وقف التوظيف دون خلق بدائل إنتاجية قد يزيد البطالة والتوتر الاجتماعي.

إذن المعضلة ليست الاختيار البسيط بين التوظيف وعدمه، بل كيفية الانتقال التدريجي من الاعتماد على الوظيفة العامة إلى اقتصاد قادر على توليد وظائف حقيقية.

3- تناقض تقاسم السلطة ووحدة القرار

قد يساعد تقاسم السلطة بين المكونات والقوى السياسية على منع الإقصاء وتخفيف النزاعات، لكنه قد يضعف المساءلة إذا تحولت المناصب إلى حصص لا ترتبط بالكفاءة والنتائج.

وقد أشار تقرير أممي سابق إلى مخاوف تتعلق بهشاشة المؤسسات، وإلى الانتقادات الموجهة للمحاصصة بسبب أثرها في المحسوبية والمساءلة.

وهنا تظهر معضلة دقيقة: كيف نحافظ على المشاركة السياسية الواسعة، وفي الوقت نفسه نجعل المسؤول التنفيذي خاضعاً للمحاسبة على النتائج؟

الحل لا يتطلب بالضرورة إلغاء التعددية، وإنما الفصل بين التمثيل السياسي المشروع وبين الإدارة المهنية لمؤسسات الدولة.

4- تناقض تعدد القوى المسلحة ووحدة السيادة

هذه من أكثر المعضلات حساسية.

فالدولة الحديثة تحتاج إلى قيادة أمنية موحدة وخضوع جميع استخدامات القوة للقانون. وفي العراق، يرتبط ملف السلاح بتاريخ الصراعات والإرهاب والتوازنات السياسية والتهديدات الخارجية.

وقد وثقت تحليلات منشورة عام 2026 صعوبة نقل الولاء والقيادة الفعلية.  إلى الدولة حتى عند دمج التشكيلات رسمياً في المؤسسات الأمنية.  وعليه، لا يكفي تغيير التسميات أو الهياكل التنظيمية. بل ينبغي معالجة القيادة الفعلية، ومصادر التمويل.

 والمساءلة، والضمانات القانونية، وإدارة المخاطر الأمنية أثناء الانتقال.

 - 5تناقض الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على الخارج

العراق يريد تنمية مستقلة، لكنه يعتمد على تصدير النفط واستيراد سلع وخدمات ومدخلات إنتاج أساسية.

وقد أظهر اضطراب طرق تصدير النفط في عام 2026 مدى تأثر الاقتصاد العراقي بالصراعات الإقليمية. وتوقع البنك الدولي في تقريره الصادر في أكتوبر 2026 انكماش الاقتصاد بنسبة 12.4% خلال العام، مع استمرار مخاطر اضطراب الصادرات والطاقة. وهذا توقع مرتبط بظروف متغيرة، وليس نتيجة نهائية.

وهنا يصبح تنويع طرق التصدير، وتنمية الصناعة والزراعة، وتحسين أمن الطاقة والغذاء، مسائل سيادة اقتصادية لا مجرد مشاريع استثمارية.

ثالثاً: تقنيات الفكر التي يمكن استخدامها لفك المعضلة العراقية

 -  1 التفكير المنظومي

نرسم العلاقات بين النفط والموازنة والتوظيف والقطاع الخاص والاستقرار السياسي، ونحدد أين تبدأ الحلقة التي تعيد إنتاج المشكلة.

 - 2تحليل التناقضات

نبحث عن المطالب الصحيحة التي تبدو متعارضة، مثل تقليل الإنفاق وحماية دخول المواطنين، ثم نصمم حلولاً تحقق أكبر قدر ممكن من الهدفين.

 -  3 تحليل المصالح والحوافز

نسأل: من يستفيد من استمرار الوضع؟ ومن يتحمل تكلفة الإصلاح؟ ومن يستطيع تعطيله؟ وما الضمانات التي تجعله قابلاً للتنفيذ؟

 - 4 تحليل الأسباب الجذرية

لا نتوقف عند ظاهرة الفساد أو البطالة أو ضعف الخدمات، بل نتابع سلسلة الأسباب حتى نصل إلى القواعد والمؤسسات التي تنتجها.

 - 5 التفكير بالسيناريوهات

ندرس عدة مسارات محتملة للعراق، مع تحديد المؤشرات التي تدل على اقترابه من كل مسار، بدلاً من التنبؤ بمستقبل واحد حتمي.

6  -  التفكير بالتنفيذ والنتائج

لا نقبل أي مقترح دون تحديد الجهة المسؤولة، والكلفة، والمدة، والعوائق، ومؤشرات قياس النجاح.

مثال عملي: الحلقة التي تعيد إنتاج الاعتماد على الدولة

اعتماد الموازنة على إيرادات النفط

توسع الالتزامات الحكومية الثابتة

تضييق الحيز المالي للاستثمار المنتج عند الأزمات

بطء نمو فرص العمل والإنتاج خارج الدولة

استمرار الضغط الاجتماعي للتوظيف الحكومي

عودة الضغط نحو توسيع الالتزامات الحكومية

نموذج تفسيري مبسط، لا يفترض أن هذه العلاقة تحدث بالدرجة نفسها في جميع الظروف.

الفكرة هنا أن علاج البطالة بالتعيين وحده قد يخفف مشكلة آنية، لكنه لا يكسر الحلقة. وكسر الحلقة يحتاج إلى استثمار منتج، وقطاع خاص تنافسي، وحماية اجتماعية، وإصلاح مالي متدرج.

رابعاً: إلى أين يسير العراق إذا استمرت التناقضات؟

لا يمكن الجزم بمسار واحد، وانما، وفق القرارات التي تتخذها الدولة والتطورات الإقليمية.

والسؤال الذي يستحق المتابعة هو: هل تتحول الإنجازات الفردية والمشروعات المنفصلة إلى قدرة مؤسسية مستمرة، أم تبقى مرتبطة بظروف سياسية ومالية مؤقتة كما هو عليه الحال؟

خامسا: السؤال الأصعب — من الذي سيقوم بالإصلاح؟

كثير من التصورات الإصلاحية تفترض أن الدولة تستطيع إصدار القرارات وتنفيذها بمجرد اقتناع المسؤولين بصحتها.

لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالإصلاح الذي يغيّر توزيع الموارد والصلاحيات يخلق رابحين ومتضررين، وقد يواجه مقاومة حتى عندما تكون فوائده العامة كبيرة.

ولهذا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور:

الإرادة السياسية: وجود اتفاق كافٍ على الهدف أم فوضى مستمرة  .

القدرة المؤسسية: وجود أجهزة وموظفين وأنظمة تستطيع تنفيذ القرار. 

القبول الاجتماعي: اقتناع المواطنين بأن تكاليف الإصلاح موزعة بعدالة، وأن نتائجه قابلة للتحقق.

قد توجد الإرادة دون القدرة، أو القدرة دون الاتفاق، أو قرار اقتصادي صحيح دون قبول اجتماعي. وفي كل حالة يتعثر التنفيذ بطريقة مختلفة   

وعليه، فإن بناء توافق على قواعد عمل الدولة، وإيجاد ضمانات للمحاسبة، وحماية المواطنين أثناء التحولات الاقتصادية، عناصر أساسية لأي مسار إصلاحي.

سادسا: النتيجة الفكرية — قافلة العراق إلى أين تسير؟

العراق يملك موارد بشرية وطبيعية وموقعاً جغرافياً مهماً. لكنه يواجه تحديات موثقة في المالية العامة، والتنوع الاقتصادي، والحوكمة، والطاقة، وسوق العمل. وتشير المؤسسات الدولية إلى أهمية الإصلاحات المؤسسية والمالية والإنتاجية لمعالجة هذه التحديات.

ويمكن تركيز جوهر المعضلة في ثلاث مفارقات:

الأولى: لا تستطيع الدولة الاستمرار في توسيع التزاماتها دون توسيع قدرتها الإنتاجية والإيرادية    .

الثانية: لا يمكن تحقيق إصلاح اقتصادي مستدام دون مؤسسات قادرة على تطبيق القانون والمساءلة.

الثالثة: لا يكفي وجود برنامج تنموي جيد ما لم توجد آلية سياسية وإدارية لتنفيذه، حتى عندما تتعارض المصالح.

ولذلك فإن الانتقال المطلوب ليس مجرد الانتقال من خطة اقتصادية إلى أخرى، وإنما من إدارة الأزمات إلى إدارة التحول لاسيما في دولة تحكمها الصراعات الداخلية واختلاف الولاءات  .

وهكذا نفهم مشكلة العراق بين تناقضات الدولة والمجتمع والاقتصاد و إلى أين تسير قافلتة؟


مشاهدات 60
الكاتب زهير اسماعيل شهد
أضيف 2026/10/30 - 11:39 PM
آخر تحديث 2026/10/31 - 1:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 123 الشهر 63052 الكلي 16648221
الوقت الآن
السبت 2026/10/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير