مهرجان النبيذ الإسباني وغلاء العنب اللبناني
غفران حداد
أجمل رحلات السفر لا ترتبط فقط بتغيير الأماكن والوجوه والتعرف على مذاقات وأصناف المأكولات والأطعمة ، او حضور المهرجانات والاحتفالات للبلد الذي توجهت اليه، بل القيام برحلة استكشاف صناعة بعض المشروبات .
حضور مهرجان
في احدى السنوات قادني الفضول برفقة العائلة لحضور مهرجانا أقامته مدينة خيريز الإسبانية، لمناسبة نهاية موسم قطف العنب، وكانت جميع فعالياته حول الترويج لنبيذ العنب كان جمال الفتيات الاندلسيات وهن يرقصن بأقدامهن العارية لسحق العنب في وعاء ضخم وسط تصفيق السيّاح والموسيقى الصاخبة إشارة للتعريف بالطريقة الأولى لتحضير النبيذ قبل مئات السنين ،وهذه الممارسة أصبحت قديمة بل نادرة اليوم في ظل وجود المصانع والآلات الحديثة لاستخراج عصير العنب . وكان يتزايد عدد الحشود يوما بعد يوم في اسبوع مهرجان النبيذ وكان الزوّار ومنهم زوجي سعداء بطعم النبيذ الأحمر ولم يمانعوا بتذوق عينة ثانية وثالثة منه كلما عرض عليهم من قبل القائمون على الاحتفال ،أما أنا وغيري الكثير من السائحات اكتفينا بمتابعة فقرات الاحتفال ، لان رائحة النبيذ لوحدها سببت لنا الدوار و النعاس. كانت الجولة ممتعة ومتنوعة برفقة المرشد السياحي الذي أخذنا بحافلة إلى مزارع الكروم في المناطق الريفية القريبة من موقع المهرجان حيث تم قطف العنب مؤخرا منها ،كان منظر الجرارات الزراعية ووفرة الايدي العاملة الناعمة رغم امتداد اشعة الشمس جميلاً ،حيث من هذه الأرض تثمر جذور صناعة النبيذ في مصانع هذه البلاد، وحسب كلام المرشد السياحي ان الحكومة الإسبانية تشجع كثيرا المزارعين وتدعمهم على زراعة العنب لتعزيز ونمو الاقتصاد الاسباني ،وعادة ما يكون وقت زراعة العنب في شهر تشرين الأول وحصاده في فصل الصيف. ثم توجهنا الى قبو للنبيذ تحت الأرض والمرشد يوضح للزائرين عن البراميل المصنوعة من خشب السنديان معبأة بزجاجات النبيذ الى ما لا يقل عن اربعين عاما وكان في الجزء العلوي من البراميل يكون فيها النبيذ الجديد وفي الاسفل النبيذ القديم ،ويفقد النبيذ في البرميل جزء منه مع مرور الزمن وهذه الكمية يقول عليها عامة الناس حصة الملائكة.
للنبيذ الإسباني حضارة ممتدة لأكثر من ثلاثة آلاف عام ولا تزال هذه الصناعة مرتبطة بالتراث الأندلسي إلى يومنا هذا، فالنبيذ جزء من تقاليد الشعب الإسباني وله ثلاث نكهات ،أولها النكهة التي تكون في العنب ،أما الثانية فهي التي تتحكم بها عملية التخمير من خلال الأجهزة والآلات التي تتم في المصانع ،وأما الثالثة التي تتكون من خلال التعتيق عبر البراميل التي تخزّن في قبوات تحت الأرض بعمق أربعة أمتار.
الجولة لم تنتهي بين الألعاب النارية وضحكات مئات الأطفال برفقة أسرهم في حضور الاحتفال بل في دخول احد المطاعم العصرية ويقدم أشهى أصناف الطعام الإسباني من المأكولات البحرية و المشاوي لكل انواع اللحوم. ذكريات رحلة المهرجان الإسباني والأسعار المناسبة لرحلة الذهاب والعودة وسبع ليالي في فندق خمس نجوم برفقة الاسرة قبل ظهور جائحة (كوفيد _19)،تجمعت دفعة واحدة عندما داهمتني صدمة بعد قراءة لافتة أمام صناديق العنب اللبناني وهي تشير إلى سعر الكيلو ثلاث مائة ألف ليرة أي سعره يتجاوز الثلاث دولارت !!!
متعة الذكريات
قاطع خلوتي البقّال :»مدام بدّك اوزنلك كيلو عنب أحمر؟ «.
«لا شكرا»، اكتفيت بمتعة ذكريات العنب على أمل انخفاض سعره فموجة الغلاء في لبنان جعلتنا نحلق في الذكريات ونتذوق السعادة من جديد معها في احلام اليقظة التي تتجدد كل مدة ذكرى ورحلة وسعادة أصبحت من الماضي، مع صدمة كل مشهد من يومياتنا في ظل تحليق سعر صرف الدولار .
ما عاد المواطن أو المقيم على الأراضي اللبنانية يفكر بشراء الكماليات فيما لو نجح بتوفير الوجبة الرئيسة من الطعام فأقل طبخة تكلف ست البيت عشرة دولارات وبدون أية مبالغة ، لهذا أصبح شراء الفاكهة الموسمية مثل العنب من الكماليات في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر وارتفاع سعر أمبير الاشتراك لدى المولدات الأهلية إلى جانب انقطاع الدواء المدعوم في الصيدليات وارتفاع أسعار اللحوم ،وجميع أنواع الخضار .