أناقة يومية
سيف حسون
في شوارع بغداد ومدن العراق المختلفة، يجذب نظرك مشهد يتكرر بصمت مهيب: مئات قناني الغاز وعلب الوقود السوداء تُصفّ بانتظام هندسي لافت على أطراف الأرصفة. لا اعوجاج في الخَطّ، ولا فوضى في الترتيب؛ قناني حديدية سوداء تُحاذي بعضها البعض كأنها لوحة مصفوفة بدقة في معرض فني، ينظر إليها عابر السبيل فيدرك على الفور أن وراء هذا التنسيق حكاية أعمق بكثير من مجرد الانتظار للحصول على الوقود.
إنها ليست مجرد «قوالب سوداء» كستها السخام ونيرانات المطابخ، بل هي وثيقة بصرية تعكس طابع شعبٍ عاش عقوداً متواصلة تحت وطأة الأزمات. لم تكن هذه الطوابير يوماً اختياراً، بل كانت نتاج الحصار، والحروب، وشح السلع الأساسية التي رافقت الذاكرة الجمعية للعراقيين. غير أن التحول الشكلي والمجهود الجمالي الملموس في كيفية إيقاف هذه الأواني السوداء يخبرنا بشيء أعمق: لقد تروّضت الأزمة، وتحوّلت المعاناة اليومية إلى نمط عيش مكتمل الأركان.
يُظهر التنسيق الأنيق لعلب الوقود وقناني الغاز أن العراقي لم يعد يتعامل مع الأزمة كحدث طارئ ومباغت يُربك حياته، بل كطبيعة ثانية يتكيف معها ويُهذّب تفاصيلها. حين يضع المواطن «قوطية الوقود» أو «قنينة الغاز» الخاصة به في السرة، فهو يضعها باحترام لطابوره وللآخرين، ممارساً طقساً اجتماعياً غير مكتوب في «فن الصمود». لقد صار الانتظار مساحة للحديث الشفاهي، والتعارف، وتبادل أطراف الحديث حول شؤون الحياة، حتى غدت أداة العوز نفسها جزءاً من هوية الشارع.
إن هذه الظاهرة تنطوي على إيحاء مزدوج؛ فمن جهة، تعكس سخرية سوداء وقدرة هائلة للشارع العراقي على ابتلاع الصدمات وتحويل صور الحررمان إلى مشاهد منتظمة وملفتة للعين. ومن جهة أخرى، تطرح سؤالاً ملحاً عن الحد الفاصل بين «المرونة التكيفية» وبين الاعتياد القسري على غياب الخدمات البسيطة.
في النهاية، قد تراها مجرد «أوانٍ سوداء» تنتظر أن تُملأ بالوقود، لكنها في جوهرها شواهد صامتة على شعبٍ لم تسمح له الأزمات بالرفاهية، فقرر أن يفرش أزماته على الرصيف بأسلوبٍ متناسق وجميل، مؤكداً أن الجمال في العراق قد يولد حتى من قلب العوز والسواد.