الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نائبٌ عن ماذا إذا غابت الصلاحيات؟

← بواسطة azzaman

نائبٌ عن ماذا إذا غابت الصلاحيات؟

محمد علي الحيدري

 

يمكن أن نفهم أن يتولى مسؤول منصباً بلا راتب، لكن أن يكون المنصب بلا صلاحيات أيضاً، ثم يحمل عنوان «نائب رئيس مجلس الوزراء»، فهنا تنتهي مسألة التنازل المالي وتبدأ مشكلة المعنى السياسي: نائبٌ عن ماذا، ومسؤولٌ عن أي شيء؟

الراتب مقابل مالي، أما الصلاحية فهي أساس الوظيفة العامة. يمكن التنازل عن الأول، لكن غياب الثانية يترك المنصب بلا مضمون تنفيذي. والمواطن يحتاج إلى مسؤول يعرف واجباته، ويملك أدوات إنجازها، ويمكن محاسبته إذا قصّر. أما إعفاؤه من الراتب فلا يعفي السلطة من تفسير الحاجة إلى تعيينه. ثم إن التعيين بلا راتب لا يمنح صاحبه شهادة نزاهة، ولا يجعل قبوله المنصب دليلاً كافياً على التعفف. فالنزاهة تُقرأ في السجل والممارسة: كيف تصرّف حين امتلك القرار؟ كيف تعامل مع المال العام؟ وماذا فعل حين واجه الفساد؟ وتزداد مشروعية هذه الأسئلة إذا كان المعيّن ممن جُرّبوا في السلطة، وكانت تجربتهم مثقلة بوقائع فساد ثابتة، أو بسكوت عن تجاوزات امتلكوا مسؤولية التصدي لها. فالراتب ليس المنفعة الوحيدة التي قد يتيحها الموقع. ثمة قرب من القرار، وقدرة على فتح الأبواب، وتوسيع شبكات المصالح، واستعادة الحضور والاعتبار. وقد يصبح التنازل عن دخل معلوم ثمناً زهيداً لقاء مكاسب أوسع، يصعب حصرها في كشف حساب. لذلك لا يصح تقديم عبارة «بلا راتب» بوصفها جواباً عن أسئلة تتعلق بالكفاءة والسجل والجدوى. أما عنوان «نائب رئيس مجلس الوزراء»، فيوحي بموقع متقدم في إدارة الدولة، وبقدرة على التنسيق بين الوزارات أو تولي ملفات محددة أو النيابة عن رئيس الحكومة ضمن حدود معلومة. فإذا غاب ذلك كله، اتسعت المسافة بين ما يقوله الاسم وما يستطيع صاحبه فعله. وهذه مشكلة في صدقية البناء الحكومي، وفي حق الناس بمعرفة من يحكمهم وكيف.. قد يحقق المنصب توازناً سياسياً أو يرضي طرفاً في مفاوضات تشكيل السلطة. وهذا يفسّر حاجة المتفاوضين إليه، لكنه لا يثبت حاجة الدولة إليه. فالتسويات السياسية، مهما كانت ضرورية، ينبغي أن تنتج مؤسسات تؤدي وظائف، لا ألقاباً تستوعب مطالب القوى وتترك مصالح المواطنين خارج الحساب. والأشد إرباكاً أن يكون المنصب بلا صلاحيات رسمية، فيما يمتلك صاحبه نفوذاً حزبياً أو قرباً من مركز القرار. عندئذ قد يتدخل ويؤثر من دون أن تكون حدود مسؤوليته واضحة. فالصلاحية المكتوبة تتيح السؤال والمحاسبة، بينما يترك النفوذ غير المنضبط أثراً في القرار، ويصعّب تحديد المسؤول عنه. وإذا كان الموقع خالياً من الصلاحية والتأثير معاً، فما مبرر وجوده؟ هل تحتاج الحكومة إلى نائب لا ينوب، ومسؤول لا يتولى مسؤولية، وعنوان كبير لا يقابله عمل معلوم؟

المعيار بسيط: إذا كانت هناك مهمة، فلتُعلن، ولتُحدّد صلاحيات صاحبها ومسؤوليته. وإذا كان المطلوب دوراً استشارياً أو تمثيلياً، فليحمل اسماً يعبّر عنه بصدق. أما اختزال النقاش في أن التعيين «بلا راتب»، فيحجب السؤال الأهم: ماذا سيقدم هذا المنصب للدولة، ولماذا اختير له هذا الشخص تحديداً؟

فالمال العام يحتاج إلى من يصونه، والقرار العام يحتاج إلى من يستحقه؛ والتنازل عن الراتب لا يثبت أياً منهما.

 

 


مشاهدات 49
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/10/19 - 3:01 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 37809 الكلي 16622978
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير