الخاطرة الادبية وسلطة النخبة
عبدالكريم الحلو
● لم يكن خروج الخاطرة من يد النخبة إلى الجماهير مجرد انتقال في وسيلة النشر من الورق إلى الشاشة، بل كان تحولاً في مفهوم السلطة الأدبية نفسها.
● ففي زمن المجلات والصحف والكتب،
كانت الخاطرة غالبا ما تمر عبر بوابات محددة :
* الكاتب
* والمحرر
* والناشر
* والناقد
* ثم تصل إلى القارئ.
وكانت هذه السلسلة تمنح النص نوعا من الشرعية قبل أن يصل إلى الجمهور.
● أما مع السوشيال ميديا
فقد انكسرت هذه السلسلة
أصبح الكاتب قادراً على أن يكتب وينشر
في اللحظة نفسها، دون أن يسأل محرراً أو ينتظر ناشراً .
وأصبح القارئ قادراً على أن يقرأ ويعلّق ويشارك ويعيد نشر النص، بل أصبح قادراً على صناعة انتشاره.
● وهنا حدث التحول الأخطر :
لم يعد الجمهور ينتظر ما تقدمه المؤسسة الأدبية ؛ بل أصبح قادراً على اختيار ما يريد أن يقرأه، وما يريد أن يمنحه حياته الرقمية.
● وهذا هو معنى خروج الخاطرة
من يد النخبة.
لكن ينبغي ألا نفهم هذا الخروج بوصفه سقوطاً للأدب ، إنه في جوهره تحرير للخاطرة من احتكار الوسيط.
● " فليس من الضروري أن يكون الكاتب عضواً في مؤسسة ثقافية كي يكتب نصا' جميلا، "
● " وليس من الضروري أن تمر التجربة الإنسانية عبر مكتب محرر حتى تصبح جديرة بالقراءة."
لقد أعادت السوشيال ميديا إلى الأدب شيئا كان قد فقده : القارئ المباشر " الحرية "
● لكن الحرية الجديدة
تحمل خطراً موازياً
فحين خرجت الخاطرة من يد النخبة،
لم تدخل بالضرورة في يد الجمهور وحده؛ بل دخلت أيضا في يد الخوارزمية في السوشيال ميديا.
● وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية فالخوارزمية لا تسأل :
هل هذه الخاطرة عميقة ؟
هل لغتها مبتكرة ؟
هل صورتها الشعرية جديدة ؟
هل أضافت شيئا إلى الأدب ؟
● إنها تسأل بصورة مختلفة :
هل توقف الناس عندها ؟
هل ضغطوا إعجابا ؟
هل شاركوها ؟
هل علّقوا عليها ؟
● ومن هنا قد يصبح النص الأكثر انتشاراً ليس النص الأكثر جمالاً ، وإنما النص الأكثر قدرة على استثارة الانتباه.
● لذلك يمكن القول :
خرجت الخاطرة من سلطة النخبة، لكنها لم تتحرر تماماً ؛ فقد انتقلت من سلطة المحرر إلى سلطة الجمهور، ومن سلطة الجمهور تدريجياً إلى سلطة الخوارزمية.
● وهذا لا يعني أن النخبة كانت دائما حارسة للجودة، ولا أن الجمهور كان دائما أسير الذائقة السطحية.
ففي تاريخ الأدب نفسه، كثيراً ما أخطأت المؤسسات الثقافية في تقدير المبدعين،
وكثيراً ما اكتشف الجمهور كتاباً و ، ادباء ، شعراء ، روائيين ، لم تنصفهم المؤسسة.
● لذلك لا ينبغي أن تكون المعركة :
النخبة ضد الجمهور.
" بل : الرداءة ضد الإبداع "
● فالجمهور يستطيع أن يحب نصاً عظيماً، كما يستطيع أن يصفق لنص ضعيف.
● والنخبة تستطيع أن تكتشف موهبة حقيقية، كما تستطيع أن تصنع هالة حول نص لا يستحق.
● " ومن هنا تأتي وظيفة النقد الجديدة "
لم يعد الناقد حارسا على باب الأدب يمنح صكوك الدخول والخروج، بل أصبح وسيطاً بين حرية النشر وحرية الحكم.
● وأعتقد أن أجمل وصف لهذه المرحلة هي :
حين كانت الخاطرة في يد النخبة،
كان السؤال :
من يحق له أن يكتب؟
وحين خرجت إلى الجماهير،
أصبح السؤال :
من يحق له أن يحكم؟
● أما في زمن الخوارزمية، فقد أصبح السؤال الأصعب :
من يقرر ما الذي يستحق أن يُرى ؟
● وهنا، بالضبط، تكمن أهمية الخاطرة
في عصر السوشيال ميديا ؛
فهي لم تعد مجرد جنس أدبي عابر،
ولا هامشًا صغيرًا في دفتر الكتابة،
بل أصبحت واحدة من العلامات الدالة
على التحول العميق الذي أصاب المشهد الثقافي المعاصر.
لقد انتقلت الكلمة من الكتاب إلى الشاشة، ومن الصفحة إلى المنصة، ومن المؤسسة إلى الجمهور، ومن سلطة الناقد إلى سلطة القارئ.
ولم يعد النص ينتظر أن تفتح له المجلة بابها، أو أن تمنحه المؤسسة شرعية الحضور ؛
فقد أصبح القارئ نفسه بوابة العبور، وأصبح التفاعل جزءًا من حياة النص،
لا مجرد صدى له.
● ولذلك فإن الخاطرة الرقمية لا تغيّر شكل الكتابة فحسب، بل تعيد تعريف العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ.
● فالكاتب لم يعد يكتب من برجٍ عالٍ،
والقارئ لم يعد يقف عند عتبة النص منتظرًا إذنًا بالدخول؛
كلاهما يلتقيان الآن في فضاء مفتوح،
سريع، متوتر، تتجاور فيه العبارة العميقة مع العبارة العابرة، والشعر مع الحكمة، والتأمل مع الانفعال.
● وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
" لقد خرجت الخاطرة من يد النخبة،
لكنها لم تخرج بالضرورة من يد الأدب "
إنها تبحث عن قارئ جديد، وتختبر ذائقة جديدة، وتعيد تشكيل مفهوم الانتشار والاعتراف والنجاح الأدبي.
● فالمشكلة ليست في الخاطرة
أصبحت جماهيرية ومتحررة
بل أن السؤال الحقيقي هو :
هل تستطيع الجماهير أن ترتقي بالأدب،
أم سيهبط الأدب إلى مستوى الاسفاف.
وبين الاحتمالين :
تتحدد قيمة الخاطرة في زمن المنصات.
● إنها ليست نهاية الأدب الورقي،
ولا انتصار الشاشة على الكتاب،
وإنما تحول في مسار الكلمة نفسها ؛
الكلمة لم تعد حبيسة الرفوف، ولا تنتظر قارئًا يأتي إليها، بل تمضي هي إليه، وتطرق شاشته، وتجلس في يده، وربما توقظه من غفلته بجملة واحدة.
● وهكذا أصبحت الخاطرة، في عصر السوشيال ميديا، أكثر من كتابة قصيرة
الى نبض الإنسان المعاصر حين يختصر تجربته في كلمات قليلة،
وصرخة الروح حين تضيق بها المساحات،
والمسافة الأخيرة التي قطعتها الكلمة من رفّ المكتبة ، إلى شاشة الإنسان.
وربما لهذا كله، لم تعد الخاطرة تسأل :
أين مكانها في الأدب؟
● بل أصبح الأدب نفسه مضطرًا
إلى أن يسأل نفسه :
أين سيكون مكانه،
حين تصبح الشاشة هي الصفحة،
والقارئ هو الناقد،
واللحظة هي دار النشر ؟
الدكتور عبدالكريم الحلو
#رؤيتي_النقدية
#إشارتي_للجميع