الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مجرد سؤال

← بواسطة azzaman

مجرد سؤال

زيد علي الشمري

 

كلما اشتعلت حرب في شرقنا الأوسط، أو استفاق الناس على أزمة جديدة، أو انكشف عجزنا عن اللحاق بركب التطور العلمي والإنساني، وحل مشكلاتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، خرجت الإجابة الجاهزة: ابتعدنا عن الدين، والحل هو إقامة دولة دينية، والعودة إلى الماضي المجيد، وكأن أجدادنا كانوا يعيشون في جمهورية أفلاطون الفاضلة!

وكأننا أمام وصفة طبية مجرّبة، لا تحتاج إلى تشخيص المرض ولا إلى معرفة أسبابه؛ يكفي أن نرفع الشعار ونستعيد الماضي، ثم ننتظر المعجزة!

أحيانًا أدخل هذه النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، لا لأخوض معركة مع معتقدات الناس، بل لأطرح أسئلة لعلّي أجد إجابات تقنعني أو تصحح بعض أفكاري. فأنا لا أدّعي امتلاك الحقيقة، لكنني أؤمن أن الأفكار التي تخشى الأسئلة لا ينبغي أن تطلب من الناس تسليم مصائرهم إليها.

مجرد سؤال: كيف ستكون الدولة الدينية؟ ومن سيحكمها؟ وبأي برنامج؟ والأهم: من سيحاسب الحاكم إذا أخفق؟

أدرك أن الأحزاب والحركات التي ترفع شعار الدولة الدينية ليست كتلة واحدة، وأنها تختلف في مواقفها من الديمقراطية والانتخابات وطبيعة الحكم. لكن هذا الاختلاف لا يعفي أي مشروع من واجب تقديم برنامج واضح للناس، بدل الاكتفاء بالشعارات والوعود.

فالحكم، في نهاية المطاف، إدارة لشؤون البشر، وتوزيع للثروات، وتحمل للمسؤولية. ولا تصبح سياسات الحاكم مقدسة لمجرد أنه رفع شعارًا مقدسًا.

إذا كان لديكم مشروع للحكم، فأجيبوا: كيف ستعالجون البطالة؟ وكيف ستصلحون التعليم، وتواجهون الفساد، وتديرون الاقتصاد والصحة والإسكان؟

فالمواطن لا يستطيع أن يأكل شعارًا، ولا أن يسدد إيجاره بخطبة، ولا أن يعالج أبناءه بوعود عن مجتمع فاضل لم يولد بعد.

ثم ماذا عن حقوق المواطنين؟ هل يتساوون أمام القانون مهما اختلفت أديانهم ومذاهبهم؟ وهل تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات؟ وهل يحق للشعب اختيار الحاكم وتغييره سلميًا؟

وإذا كان لديكم تصور مختلف للديمقراطية، فمن يختار الحاكم؟ ومن يراقبه ويحاسبه؟ وما الضمانات التي تمنع احتكار السلطة باسم الدين أو المذهب؟

لا يكفي أن تقولوا إن الحاكم سيكون صالحًا؛ فالدول لا تُبنى على افتراض صلاح الأشخاص، بل على مؤسسات تحدّ من سلطاتهم، وقوانين تحاسبهم، وآليات تتيح تغييرهم إذا فشلوا.

ثم دعونا ننتقل من الشعارات إلى الواقع: هل لديكم تجارب معاصرة ناجحة في إدارة الدولة، وصيانة حقوق الإنسان، وتطوير التعليم والصحة، وضمان الحريات؟

وإذا استشهدتم بتجربة معينة، فلماذا لا نناقش نتائجها، ونتعلم من نجاحاتها وإخفاقاتها؟ فالتجارب السياسية تُقاس بنتائجها، لا بنوايا أصحابها ولا بالشعارات التي يرفعونها.

أيها القارئ، ما قيمة التاريخ إن لم نتعلم من تجاربه؟ لسنا مطالبين بكره الماضي، لكننا لسنا ملزمين بتقديسه أيضًا. لقد تغيّر العالم، وتطورت العلوم والتكنولوجيا والاقتصادات ومفاهيم الحقوق والحريات، ولا يمكن مواجهة أسئلة الحاضر بمجرد استنساخ نماذج الماضي.

ولكي نكون منصفين، فإن الاستبداد لم يكن حكرًا على الأنظمة الدينية؛ فقد رفعت أنظمة قومية وعسكرية شعارات الأمة والتحرير والوحدة والكرامة، لكنها لم تضمن بمجرد رفعها العدالة أو الحرية.

تختلف الشعارات، لكن السؤال يبقى واحدًا:

ماذا فعلتم بالسلطة حين امتلكتموها؟

أنا لا أدعو إلى محاربة الدين أو إقصائه عن المجتمع، ولا أمنح أي أيديولوجيا حصانة من النقد. ما أدعو إليه هو دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات، وانتخابات تتيح التداول السلمي للسلطة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.

فالدولة لا تُقاس بقداسة شعاراتها، بل بعدالة قوانينها، وكرامة مواطنيها، وقدرتهم على محاسبة الحاكم وتغييره من دون خوف أو دماء.

لا تسلّم عقلك لمن يطلب منك الإيمان بمشروعه قبل أن يجيب عن أسئلتك. فالسؤال ليس جريمة، والنقد ليس خيانة، واختلاف الرأي ليس عداءً للدين أو الوطن.

حين يغيب العقل، تتحول الشعارات إلى أصنام، ويصبح السؤال تهمة، ويغدو الحاكم أكبر من المحاسبة، والمواطن أصغر من حقوقه.

مجرد سؤال... فهل من إجابة؟

***

اكتب كمن يلقي حجرا ليحرك سكون العقول


مشاهدات 18
الكاتب زيد علي الشمري
أضيف 2026/10/18 - 2:06 PM
آخر تحديث 2026/10/19 - 5:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 416 الشهر 35982 الكلي 16621151
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير