الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تصبح عودة الفنان سؤالاً

← بواسطة azzaman

حين تصبح عودة الفنان سؤالاً

قاسم جبار علوان

 

ربما أخطأنا حين سألنا متى يعود كاظم الساهر إلى العراق؟ فالسؤال في ظاهره عن فنان لكنه في جوهره سؤال عن وطن.

كاظم الساهر ليس مجرد فنان غادر العراق إنه واحد من الأصوات التي خرجت من هذا البلد ثم عبرت حدوده حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة العربية ولذلك فإن الحديث عن عودته لا ينبغي أن يكون مجرد حديث عن الحنين بل عن البيئة التي تجعل العودة ممكنة ومطمئنة وكريمة ، فالإنسان لا يعود إلى الجغرافيا وحدها يعود إلى معنى .

والسؤال الحقيقي ليس لماذا لا يعود كاظم؟ بل إلى ماذا سيعود؟ إلى وطنٍ أم إلى جغرافيا إلى دولةٍ أم إلى صراع هويات إلى فضاءٍ يحترم الفن أم إلى بيئةٍ يطلب فيها من المبدع أن يشرح ولاءه قبل أن يسأل عن إبداعه؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للوطن ليس أن يغادره أبناؤه بل أن يصبح الغياب أكثر راحةً من الحضور فالمجتمعات التي تنظر إلى نجاح أبنائها بعين الريبة وتحاصر المختلف بالتخوين والتصنيف لا تطرد المبدع بقرارٍ رسمي إنها تطرده بالمناخ والحسد هنا ليس مجرد ضعفٍ أخلاقي قد يتحول إلى ثقافة كاملة حين يصبح نجاح فردٍ واحد تذكيراً مؤلماً للآخرين بما كان يمكن أن يكونوه.

ولهذا فإن المبدع لا يكون خطراً على المجتمع لأنه مختلف بل لأن إبداعه يثبت أن هناك إمكاناً آخر للحياة . الفن ليس ترفاً الفن هو إحدى العلامات التي تدل على أن الإنسان تجاوز مجرد البقاء إلى البحث عن المعنى،وعندما يحاصر الفن لا تحاصر أغنية فحسب بل تحاصر قدرة المجتمع على تخيل نفسه بصورة أجمل.

أما الدين حين يكون قيماً وضميراً ورحمةً فلا يتعارض مع الفن ولا مع الجمال وإنما الخطر حين يتحول فهم بعض البشر للدين إلى أداةٍ لمحاكمة الآخرين وإقصائهم فيصبح السؤال عن هوية الفنان أهم من السؤال عن إنسانيته وإبداعه .والدولة التي تحترم أبناءها لا تسأل المبدع أولاً مع من أنت؟ بل تسأله ماذا تستطيع أن تضيف؟

ولهذا فإن عودة كاظم الساهر ليست مجرد عودة شخص إلى مدينة إنها في معناها الرمزي اختبار للعراق نفسه ،فإذا عاد الفنان ولم تتغير البيئة التي جعلت العودة صعبة فقد عاد الجسد وبقي السؤال.

أما إذا عاد العراق إلى نفسه إلى دولةٍ يحكمها القانون وثقافةٍ تحترم الاختلاف وبيئةٍ ترى في نجاح أبنائها فخراً لها عندها لن تكون عودة كاظم مجرد حدثٍ فني ستكون علامةً على أن شيئاً ما قد استعاد عافيته.

فلا تطلبوا من كاظم الساهر أن يعود إلى العراق اصنعوا عراقاً يستحق أن يعود إليه كاظم ويعود إليه كل مبدعٍ غادره فالوطن الحقيقي ليس المكان الذي ولدنا فيه فقط بل المكان الذي نستطيع أن نكون فيه أنفسنا دون خوف ومبدعين دون اعتذار وناجحين دون أن ندفع ثمن نجاحنا .وربما تكون الحقيقة الأشد مرارةً ،المبدع لا يهرب دائماً من وطنه أحياناً يهرب من الصورة التي صنعها الوطن عن نفسه،وحين يعود العراق إلى نفسه لن يكون السؤال متى يعود كاظم الساهر؟ بل كيف تأخر العراق كل هذا الوقت عن استعادة أبنائه؟


مشاهدات 27
الكاتب قاسم جبار علوان
أضيف 2026/10/04 - 2:51 PM
آخر تحديث 2026/10/05 - 12:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 54 الشهر 6894 الكلي 16592063
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير